في حوار مثير للشروق العربي:

فوزي سعد الله: كتاباتي التاريخية دفعت البعض للاعتقاد أني عميل لإسرائيل

ماسياس انخرط في المشروع الصهيوني وأغانيه عن الجزائر ليست صادقة

سقوط حكومة حمروش وراء إثارة ملف يهود الجزائر


في هذا الحوار الشيق، الذي أجرته "الشروق العربي" مع الباحث والمؤرخ الجزائري فوزي سعد الله، محطات هامة من المتعة والفائدة، انتقل خلاله ضيفنا من الحديث عن كتاباته المثيرة للجدل حول يهود الجزائر، إلى شغفه الأبدي بالتراث الأندلسي، وما أثار انتباهنا الدقة في المعلومة، والتركيز المبهر في نطق الكلمات في أماكنها بشكل منضبط، مع صراحة لافتة، تصل إلى حد إطلاق اعترافات بمثابة كما قال "صعقة كهربائية" لمن يستمع إليه…

في البداية ما حقيقة إعادة نشر كتبك دون علمك وتسويقها في الصالون الدولي للكتاب وهل اتخذتَ إجراءات قانونية لمعرفة الأطراف التي "سرقت " الكتاب ؟

الكِتاب الذي تَقصدين هو كِتابي "قَصَبَةُ الجَزائر، الذَّاكِرة الحَاضِر والخَوَاطِر" الذي نَشَرْتُهُ عند "دار المعرفة" في باب الوادي بالجزائر العاصمة لِصاحبها فيصل هُومَة عام 2007م في إطار تَظاهُرة "الجزائر عاصمة الثقافة العربية"... منذ العام 2007م، لم يَتوقَّف الناشر عن السَّحب والبيع بدون حق قانوني مُتجاوزًا حُدود العقد المُوَقَّع معه. العديد من الأصدقاء يتصلون بي في كل مرة، إلى غاية اليوم ونحن في 2017م، لِيقولوا لي إنهم اشتروا هذا الكتاب في مكتبة "دار المعرفة" في باب الوادي. وفوق كل ذلك، كِتابي كان موجودا حتى في الصالون الدولي للكِتاب الأخير في قصر المَعارِض في جناح "دار المعرفة"، وقد أرْسَل لي أصدقاء صُوَرًا وأشرطةَ فيديو بهذا الشأن، بِحُكْمِ إقامتي خارج البلاد، تؤكد ما أقول. أُضِيف أنني أعدْتُ نشرَ هذا الكتاب عام 2014م عند ناشر آخر ونَفَذَتْ الطبعةُ خلال أشهرٍ قليلة، بينما طبعة "دار المعرفة" لا تريد أن تَنْفذ وتبدو مفتوحة لا حدود لها في الزمان والمكان.

على كل، أحتفظ بحقي في المتابعة القضائية، والإجراءات في هذا الشأن تأخذ مجراها.

مع الأسف، في غياب العقاب في كافة المجالات تقريبا وفي ظل تَخاذُل السلطات الوصية المطَّلِعة على كل ما يجري في مجال النشر، وضُعف أدائها لم يسْلِم من الفساد العام في الجزائر لا الأشخاص ولا المؤسسات، ولم يُسْتَثْنَ من هذه الآفة قِطاعُ النَّشر الذي أصبح مفتوحًا لِكل مَن هبَّ ودَبَّ.

عمليةٌ مُشابِهة تقريبا طالت مؤخرا كِتابِي "يهود الجزائر هؤلاء المجهولون" الذي نَشَرَتْهُ بعضُ المواقع الإلكترونية بِشَكْلِ "بِي دِي آفْ" (PDF ) دون حَقٍّ قانوني، وأنا أتواصل معها حاليًا لِمعالجة الأمر، ولَقيْتُ تَجاوبًا من بعضها.

ألَّفتَ كتابك المشهور حول يهود الجزائر منتصف التسعينيات. كيف تبادرتْ لك فكرة إثارة مثل هذا الموضوع الحساس في الجزائر ؟

كان موضوعُ تاريخِ اليهود في الجزائر منذ نهاية ثمانينيات القرن 20م مطلوبًا بِحِدَّة لدى الجزائريين، لا سيَّما في عهد حكومة الإصلاحات التي كان يقودها مولود حَمْرُوْش الذي استعان بِخدمات خُبراء يهود في التجارة الخارجية لإصلاح هذا القطاع وتفكيك الاحتكارات السابقة له. وكان رَدُّ أصحاب الاحتكارات على رئيس الحكومة قيامَهم بحملةٍ إعلامية ضدَّه مفادُها أنه "باع اقتصاد الجزائر لليهود"، على حد قولهم، من أجل إضعافِه والحيلولة دون تمرير هذه الإصلاحات التي شَكَّلتْ خطرًا على مصالحهم. وقد نجحوا في إسقاط الحكومة بِرُمَّتِهَا في صيْف عام 1991م. هذه الحملة الدعائية وَضَعَتْ موضوعَ اليهود في الجزائر طيلةَ أشْهُرٍ في واجهةِ الأحداث وجَعَلَتْهُ يَحتلُّ الصفحات الأولى للجرائد... لكن تَمَّ ذلك في غالب الأحيان بِخلفية سياسية ومناورات...

هنا، أثار الموضوع اهتمامي كَكُل الجزائريين آنذاك، وبدأتُ أقرأ وأبحث فيه، وأنا طالبٌ في الجامعة وصحفي في بداية المشوار، حتى تَبَلْوَرَتْ الأفكارُ وارْتَقَتْ إلى مَشروع كِتاب رَدَّ على تساؤلاتِ الجزائريين ومِن وجهة نَظَر جزائرية بَحْتَة، لأن لا أحد مِن قَبْل ألَّف ونَشَرَ كِتابًا حول هذا الموضوع في عهد الجزائر المستقلة.

في المقابِل، الجزائر الاشتراكية منذ استقلالها وحديثة العهد بـ: "الديمقراطية" آنذاك والتي كانت تُرَاقِبُ سوق الكِتاب بصرامة على الطريقة السوفياتية السّْتَالِينِيَة وتُقَرِّرُ ما يَدْخُل المَكتبات وما لا يَدْخُل، سَمَحَتْ بِنَشْرِ كِتابِ الفرنسيَّيْن اليهوديَّيْن مِن أصلٍ جزائري رِيشَارْدْ حَيُّونْ وبِرْنَارْدْ كُوهِينْ الذي يحمل عنوان Les Juifs d’Algérie 2000 ans d’histoire (يهود الجزائر 2000 عام من التاريخ)، رغم أن مضمونه ليس سَلِيمًا من التَّوجِيه السياسي ولا من الدِّعَايَة الصّهيوينة في مرحلةٍ من تاريخنا كان خلالها شِعارُ الدّولة الجزائرية: "مع فلسطين ظالِمة أو مَظْلومة". وقد نَشَرَتْ كتابَ حيُّونْ وكُوهينْ آنذاك دارُ النشر الجزائرية "رَحمة"، أي قبْل عام 1989م وهي سَنة التخلي عن النظام الاشتراكي، في غياب مؤلفاتٍ أخرى في السوق وفي المكتبات العامة تُوَفِّرُ قراءةً أخرى لِموازنة الرُّؤَى حول هذا الموضوع. والحمد لله أنني بإمكانياتي الشخصية الضعيفة جدا، المتمثلة في قَلَم رَصَاص ومِمْحَاة ووَرَق ومَبْلَغ الطَّبع، تَمَكَّنْتُ مِن إنْجَاز كِتابي ونَشْرِه في ربيع 1996م على نَفَقَتِي، وفضْلاً عن كَوْنِي أنا الذي تَكفَّلتُ بشكلٍ عامّ بِتوزيعِه في المَكتبات، مع الأسف، لِضُعف النَّشر والتوزيع في البلاد وقلَّة الأمانة في القطاع. وقد لَقِيَ كتابي صدًى إيجابيًا، رغم نقائصه والانتقادات، وأصبح مرْجعًا لِكُل مَن يَخُوض في الموضوع، بما في ذلك الباحثون الجامِعيون الذين اعتمدوا عليه لإنجازِ رسائل الماجِسْتِير ومُذَكِّرات اللِّيسَانْسْ وأطْرُوحات الدُّكْتُورَاه... يَعني أن الجُهد الذي بَذلتُه طيلة نحو 4 سنوات لَمْ يَذهَب سُدًى وأعطى ثمارَه، لأنني حَرَّكْتُ عمليةَ البحث في هذا الموضوع في الجزائر، مثلما تَمَّنَيْتُ وقلتُه في أحد حِواراتي للصَّحافة آنذاك، وسَاهَمْتُ بمقدارٍ مَا في تَعزِيز مَناعَة الجزائريِّين أمام الدِّعاية والأكاذيب الصهيونية والمُتَصَهْيِنَة.

أعطيتَ صورة ايجابية كثيرة عن يهود الجزائر منهم من أسلم ومنهم من خدم الثورة وأبعدتَ عنهم تُهم الخيانة. هل هو تلميع لصورة اليهود في العالم  ؟

هذا تأويلكِ أنتِ وليس ما فَعَلْتُه أنا. وهناك أيضا من كَان له تَأويل مُخالِف لِتأويلِك حيث اعتبرَني قاسيًا مع اليهود ومُتحامِلاً عليهم. أنا قلْتُ الإيجابي والسِّلبي كباحث حسب ما اطَّلعتُ عليه من معلومات في المؤلفات التاريخية والوثائق حول هذا الموضوع، وذَكَرْتُ كُلَّ مَصادِري ومَراجِعي ولَمْ أخترِعْ شيئًا. لكن الجزائريين تَعوَّدوا بِسبب التوتر والعداء بين العرب والصهاينة منذ احتلال أرض فلسطين، بشكلٍ خاص، على عَدم ذِكْر اليهود بشيء إيجابي، ولا تَكاد تُنطَق عندنا كلمة اليهود إلا وتَلَتْهَا اللَّعنة عليهم أو ذمّهم والدُّعاء بِمحْقِهم، واليهود في إسرائيل يفعلون الشيء نفسَه إزاء العرب والمسلمين عامّة، وهذا طبيعي، لأننا في حالة حرب... لِذلك، ربما يُصبح الحديث والكتابة عنهم في مثل هذه الأجواء والظروف الصعبة، التي غاب فيها التمييز بين اليهودية والصهيونية، دون لَعْنِهم وسَبِّهم أمرًا غَريبًا ومُثيرًا للشُّبُهات لدى الذين لم يَتَعَوَّدُوا على خطابٍ تاريخي أو إعلامي أو ديني مُخالفٍ لِخطاب اللَّعن والسّب والشّتم الذي لم يكُن من شِيَم الرسول (ص) عند ذِكر اليهود ولا مِن أخلاقه. أعتقِد أن كتابي، رغم نقائصه آنذاك بسبب كَوْنِهِ أولَ مؤلّفاتي وبدون مساعدةِ أحد أو حتى مراجعتِه لأنني طلبتُ من مؤرِّخين معروفين مراجعتَه وخَذلُوني، أصبح منذ نهاية الألفية الثانية مرْجعًا للبحث الأكاديمي العِلمي في الجامعات الجزائرية، وحتى خارج الجزائر نِسبيًا. ولو كان هذا الكِتاب مُجرَّدَ "تَلْمِيع"، على حدِّ تعبيرك، لليهود والدعاية لهم لَمَا لَقِيَ كُل هذا القبول الجامعي الأكاديمي، فضْلاً عن الشَّعبي... اليوم، لا يكاد يوجد بحثٌ في مستوى الماجِستير والدّكتوراه، لا يَذْكُر كِتابي أو لاَ يَعتَمِدُه كمصدر من مصادره.

هل تطرقتَ إلى أسماء عائلات جزائرية يهودية لا تزال موجودة وتتعايش مع المسلمين ؟

طبعًا ، الكِتاب مليء بالألقاب اليهودية القديمة والحديثة، وتَحدَّثْتُ عن الذين ما زالوا في الجزائر جزائريين كغيرهم من المواطنين. وسبق لي الحديث عن عائلة بَلْعِيشْ مثلاً، وصِرُور وغيرها. أتذَكَّر أنني عندما بدأتُ أشتَغِل في الصحافة في بدايةِ تسعينيات القرن الماضي، كان من بين صحفيِّي يومية Alger Républicain  (الجزائر الجمهورية)، الناطقة باللغة الفرنسية، في "دار الصحافة" بشارع بشير عطَّار الصّحفي وِيْلَيَمْ سْبُورْتِيسْ وهو يهودي من قسنطينة ومُجاهد في صفوف الثورة التحريرية، وقد نَشَرَ مذكِّراته قبل بضع سنوات فقط، في عام 2012م، وأظن أنه يُقيم حاليا في فرنسا....إلخ.

ما هي ردود الأفعال التي تلقيتها سواء الايجابية أو الانتقادات السلبية لهذا الكتاب بمجرد صدوره ؟

الكِتاب، "يهود الجزائر هؤلاء المجهولون"، كان بمثابة صعقة كهربائية في أذهان الجزائريين. وأثار اهتمام الجميع عند صدوره، في الجزائر كَمَا في بلدان عربية حيث تَطرَّقتْ إليه صحافتُها. وشَمل هذا الاهتمام السُّلطات الرّسمية في بلادنا التي أعتقِد أنها لم تَكن جاهزة لِقبول فكرة أنه يُمكن لِجزائري في عقده الثاني من العُمر وطالِب في الجامعة لم يُكمل دراساته أن يُؤلف مستقلاًّ عنها وفي مثل هذا الموضوع بالذات، لأن السلطات كانت وقتذاك هي التي تُنتِج ما تشاء ومَن تشاء من الكُتب والكُتَّاب والأدباء وتُشهِر مَن تَشاء، بمن فيهم مَن لا قيمة أدبية وعِلمية لمؤلفاتِهم، وتَخنق وتُهمِّش مَن تَشاء كَمَا وَقَعَ على سبيل المثال لا الحصر للمُفكِّر مالك بن نبي.

على العموم، كانت الأصداء جد إيجابية، رغم هواجس الذين تَصَوَّرُوا أنني يهودي الديانة وهواجس الذين خشوا من أن أكون عميلا لإسرائيل ومَن رَأوا في مضمون كتابي مضمونا يتبع فكر المعتزِلة وما شابه ذلك من الظنون والخيالات. بل حدث أن بعض الأصدقاء والزملاء الصحفيين أصبحوا يخشون الظهور معي ويبتعدون عني ويُغيِّرون الرَّصيف عندما يَلمَحونني من بعيد، لأنهم حسبما بلغني آنذاك عَلِمُوا بأنني مُرَاقَب من قِبَل مصالِح الأمن... يَكفيني أنني حَظيْتُ بِتَهانِي وتشجيعات القُرّاء الجزائريين وحتى كِبار رجال الدولة المحترَمين الوطنيين، وعلى رأسهم المرحوم بن يوسف بن خدة رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة وأحد أكبر قادة الثورة الجزائرية، ورئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش، ورئيس البرلمان الأسبق ورئيس الحكومة قبل سنوات عبد العزيز بلخادم، والوزيرة السابقة زهور وَنِّيسي، وحظيتُ بتشجيعات ضُبّاط سامين في القوات المسلحة الجزائرية، كما طَلَبَ عدةُ سُفراء مُقابلتي حينها وأرْسَلوا لي التهاني عبْر شخصيات على إنجازي هذا الكِتاب، بِمن في ذلك سفير الشقيقة سوريا وسفير بنْغلاديش...

أين هم يهود الجزائر حاليا خاصة وانك قلت بان عددهم تقلص كثيرا؟

نعم عددهم تقلص كثيرا، لأن الكثير منهم رحلوا عن الجزائر في خضم الحرب التي عشناها ما بين 1992م و1997م بسبب توقيف المسار الانتخابي التشريعي بانقلاب عسكري والمآسي التي رافقتْها والتي تسببتْ في رحيل أعداد أكبر بكثير من المسلمين والمسيحيين وليس اليهود لوحدهم. وهذا طبيعي يحدث في كل الحروب والأزمات المسلَّحة.

أنا أعيش بعيدا عن الجزائر منذ نحو 18 عاما، وقد تغيرتْ أمور كثيرة في الجزائر منذئذ، لكنني أعرف مثلا أن مدينة الجزائر وقسنطينة ووهران والبليدة كان ما يزال يعيش فيها بعض اليهود، غالبيتهم من جيل آبائنا، بشكل طبيعي... في البليدة مثلاً، كل الناس كانوا يعرفون رُوجِيه سَعِيد المحامي الذي عَيَّنَهُ الرئيس الشاذلي بن جديد عضوا في لجنة حقوق الإنسان نهاية الثمانينيات الماضية. في العاصمة، الجميع كان يَعرف مَارْسِيلْ بَلْعِيْش الذي توفي عام 1993م، وابنه جُوزِي شَارْلْ بَلْعِيشْ، وابن هذا الأخير سْتِيفَانْ بَلْعِيشْ الذي رحل إلى فرنسا بعد مقتل والِده في اعتداءٍ عليه في ساحة بُورْ سَعِيد. وهذه الأسرة المعروفة والمحترَمة في محيطها الاجتماعي في العاصمة الجزائرية تُعد من كبار المُلاك العقاريين القدماء في المدينة. كذلك عائلة سْبُورْتِيسْ معروفة في قسنطينة. وهناك أيضا من اعتنقوا الإسلام وأصبحوا مسلمين، مثلما كان حال عازف القانون في جوق الفنان الحاج محمد العنقاء بُونْوَا لاَفْلُورْ (Benoit Lafleur)، وغيرهم.

ما تعليقك على عودة اليهود وزيارة الجزائر زيارات سرية وأخرى علنية والتي اعتبرها الكثيرون استفزازا لمشاعر المسلمين ؟

يجب النظر إلى المسألة من زاوية أخرى: يجب القول بالأحرى زيارة مواطنين فرنسيين الجزائر، لأنهم يزورون البلاد، حسب معلوماتي، كفرنسيين يدخلون البلاد عبر المطارات والموانئ وليس سرًّا عبْر الحدود بواسطة شبكات التهريب. والقنصليات الجزائرية تمنحهم التأشيرة كفرنسيين ويَخضعون للمراقبة في نقاط التفتيش الأمنية في المطارات والموانئ. لذلك لا أرى أية سرية في هذه الزيارات بشكل عام. أما أن يزوروا الأرض التي وُلدوا ونَشأوا فيها ومقابر أهاليهم فهذا أمر لا غرابة فيه ولا يستدعي أيّ قلق وليس فيه استفزاز إذا كان يخلو من تجاوز القوانين الجزائرية ويحترم مشاعر الجزائريين وأعرافهم ولا يضر بالبلاد. وأعتقد أن مصالح الأمن موجودة للوقوف في وجه مثل هذه الاحتمالات في حال وقوعها، وهي أدرى مِنِّي ومنكِ بالأمر.

من جهة أخرى، اليهود وأوروبيو الجزائر بشكل عام لا يُشبِهون بعضهم بعضًا ولا هُم مستنسَخون، ففِيهم الحاقِد على الجزائر وفيهم المتعاطِف وفيهم المُحِب للجزائريين وفيهم العدو وفيهم الصديق، بما في ذلك خلال فترة الاحتلال، بدليل أن بعض الصداقات بين الجزائريين وأوروبيي الجزائر الذين رحلوا عام 1962م صَمدَتْ في وجهِ الأحداث والسِّنين وما زال هذا الطرف وذاك يتبادلون الزيارات. لذا، لا يجب وضع الجميع في سلة واحدة، على الأقل من باب الحق والإنصاف.

ذكرتَ أن اليهود دائما كانوا "جزائريين بالتقاليد والفكر والعواطف" لماذا منع المغني المشهور" ماسياس"من الغناء في الجزائر؟

صحيح. لكن المغني أنريكو ماسياس ليس المثال الجيّد. ماسياس جذور أجداده عميقة في الجزائر، هذه حقيقة، لكنه اختار الانخراط في المشروع الصهيوني/الإسرائيلي منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، ووَضَعَ نفسَه في موضِع المعادي للجزائر مثلما فعل مع الاستعمار الفرنسي قبل 1962م. أما مَا يُغنِّيه عن الجزائر وقسنطينة فمجرَّد غِناء لا يُعبِّر بالضرورة عن مشاعر صادِقة. ولو كان صادِقًا لَمَا نَسَفَ في كل مرة الفُرَصَ التي تُتاح له لزيارة مسقط رأسه. وأعتقد أنه مُنِع من زيارة البلاد، لهذا السبب: نَسْفُه الفرصة المتاحة له من طرف رئيس الجمهورية بتصريحات معادية للجزائر ولا تحترم مشاعر الجزائريين... لذلك، يحق طرح السؤل: هل كان يريد فعليا زيارة مسقط رأسه  م أنه يتخذ منه سجّلاً تجاريا/فنيا وسياسيا/صهيونيا لا أكثر؟

حدِّثْنا عن شغف اليهود بالموسيقى والغناء في الجزائر وماذا أضافوا لها؟

اليهود كانوا يُغنُّون ما غَنَّاه المسلمون. أيْ أن ثقافتَهم الموسيقية الغنائية جزائريةٌ بَحْتَة ولا وُجُودَ لِغِنَاء يهودي مُنْفَصِل عن بقِية الثقافة الغنائية/الموسيقية الجزائرية... مَن يقول بِغيْر هذا إمَّا أنه غيْرُ مُطَّلِع على الموضوع أو أنه يَتَعَمَّد الكذب لأغراض سياسية إيديولوجية أو أيِّ أغراض أخرى مُبَيَّتَة. ارْجَعِي إلى ما كَتَبَهُ الأسير الإسباني في مدينة الجزائر من 1578م إلى 1581م الرَّاهِب دْييغُو دِي هَايِيدُو (Diego de Haedo) وما كَتَبَهُ الحاج أحمد الشّريف الزَّهَّار، نقيب أشراف مدينة الجزائر في بداية القرن 19م، وما كَتَبَهُ الرَّحَّالَة الغربيون عن جزائر العهد العثماني وبعده وستَجِدين أن ما غَنَّاه يهودُنا كان غناءً جزائريًا بَحْتًا، وذلك طبيعي لأنهم كانوا جزائريي الثقافة والوجْدان، باستثناء حديثِي الإقامَة والعيْش بالبلاد كَيهود مدينة لِيفُورْنْ الإيطالية أو اليهود الإسبان قبل اندماجهم نسبيًا وبأشكال مُتفاوِتة ثقافيًا واجتماعيًا والذي يَستغرِق عادةً بضعةَ أجيال.

وبما أن يهودنا كانوا في مُجْمَلِهم من سُكان المُدن منذ القرن 14م، لا سيّما بعد لُجوء يهود الأندلس الذي كانوا كثيري العدد واستوطنوا المُدُن، فإنهم غَنّوا ورَقَصَوا واستَمْتَعُوا بغِناء الجزائر الحَضَرِي، أيْ الغناء العربي/الأندلسي بمختلف الأنواع المنبثِقة عنه كالقادِرِيَّات، والزِّنْدَانِي القسنْطيني، والحَوْزِي التلمساني الذي ظهر في أَحْوَاز تلمسان، والعْرُوبِي العاصِمي الذي شهد النّور في مدينة الجزائر في الفُحُوصِ خارج أسْوار المدينة العثمانية التي نُسَمِّيهَا مجازًا "القَصَبَة"، لأن القصبة الفعلية في الأصل هي القلعة التي تُسمى اليوم شعبيًا "دَار السُّلْطان" في حَوْمَة الباب الجديد في الجهة العليا الجنوبية للمدينة العتيقة.

ولاَ يُعرَف لليهود في بلادنا غناء آخر غير هذا، باستثناء بعض الجماعات اليهودية المحدودة العدد التي كانت تعيش حياة البداوة في الخيَم مع الأعراب المسلمين البدْو الرُّحَّل والتي كانت تَمِيلُ إلى الغِناء البدوي والشِّعر المَلْحون على غرار اليهود "البَحُّوصِيَة" أو "البَاهُوتْزِيمْ" كما يُلقَّبون باللغة العِبْرِيَة، وقد كانوا جزءا من قبيلة الحْنَانْشَة الهِلالية المُسلِمة التي انتَشرَتْ في الجنوب الشرقي التونسي ومنطقة سوق أهْرَاسْ وبَاتْنَة وعَنَّابَة وقَالْمَة. وحتى في الكَنِيسِ اليهودي، كانتْ ألحان التَّسابيح والأشعار الدينية المعروفة بالـ: "بِيُوتِيمْ" باللغة العِبْرِيَة تُتْلى وتُرتل وتُنْشَد بألحانٍ عربية/أندلسية مأخوذة من الأغاني المعروفة والمحبوبة في الجزائر. على سبيل المثال لا الحصر، في البِيَع، يهود الجزائر، أو يهود مدينة الجزائر على الأقل بمن فيهم الذين رحلوا إلى فرنسا عند استقلال البلاد أو إلى كندا والولايات المتحدة الأمريكية وحتى إلى إسرائيل، ما زالوا إلى اليوم يُنْشِدُون بعضَ أشعارهم الدينية وتراتيلهم في المَعابِد على لَحْنِ "قُمْ تَرَى دَرَاهِمَ اللَّوْز...تَنْدَفِقْ عِنْ كُلِّ جِهَة" المحبوب جدا في بلادنا. وقد كان هذا الرَّبْط بين الألحان الأندلسية الدنيوية والنصوص الدينية اليهودية أداةً ساهمتْ تِلقائيا في حماية التراث الموسيقي الأندلسي من الضياع والاندثار لِمجرَّد اسْتِمرار تَداوُلِ هذه الألْحَان، لأن روحانية الغناء الديني تجعل موسيقاه في مَأْمَنٍ مِن عوامِل الدَّهْر، عَكْسَ الغناء الدنيوي الذي قد يزول من الذاكرة الجماعية بِرِحِيلِ الجِيلِ الذي ابْتدَعه وتَبَنَّاه.

إدماجُ لَحْنُ "قُمْ تَرَ دراهم اللّوْز" في الطقوس الروحية اليهودية لم يكُن، ولَيْسَ، حالةً استثنائية بل هي مجَرَّد عيِّنة، مِثْلها مثل أحَد أناشيد يوم "الشَّبَّاطْ"، أيْ السَّبْت، الذي هو عِبَارة عن قصيدة للشاعر اليهودي الأندلسي آبْرَاهَامْ ابن عِزْرا (1089م – 1167م) تُنْشَدُ على لَحْنِ أغنية "بينْ البَارِحْ واليَوْمْ...لَيْلَة يَا مَا أَحْلاَهاَ" المحبوبة والشائعة إلى اليوم في الجزائر، ولا سيَّما في قسنطينة.

حدِّثْنا عن فكرة كتابك الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم ألا ترى انه ينطلق من  نفس فكرة اليهود في الجزائر ؟

لا أرى أنه ينطلق من هذه الفكرة، لكن اهتمامي بأهل الأندلس في شتاتهم بدأ مع اهتمامي بموضوع الغناء العربي/الأندلسي في الجزائر بِصِيَغِه القسنطينية والتلمسانية والعاصمية، لأن أهل هذا الفن والذين يَكتُبون عنه في بلادنا يتحدثون عن هذا الفن الغنائي، لكنني لا أتذكر أنهم اهتموا بأهله وحامِليه الأندلسيين في وطنهم الأندلس وفي مهجرهم الجزائري قبل أن يُصبحوا على مدى أجيال جزائريين. فقررتُ أن أبحث في هذا الموضوع  من أجل فضولي الخاص ومن أجل كل الجزائريين وأثْمَرَتْ جهودي بكتابي الأخير "الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم" بِجُزئيْه. لكن، صحيح أيضا أن اهتمامي بالغناء العربي/الأندلسي في صيغته الجزائرية نابعٌ ليس فقط من هوايتي وحبِّي له وممارستي له بِقِيثاَرَتِي كَهِواية بل أيضا مِن رغبتي في فَهْمِ علاقةِ اليهود به في بلادنا، لا سيَّما منذ أن كَثُرَتْ الخرافات والأكاذيب الدعائية الصهيونية التي لَقِيَتْ هوًى لدى بعضِنا والتي تَزْعَمُ أن اليهود هُم مَن ابتدعوا هذا الفن وعَلَّمُوا المسلمين إيَّاه... وهذا غير صحيح بشكل مُطلَق. وقد خَصَّصْتُ لهذا الموضوع كِتابا كاملاً استغرق نحو 10 سنوات من البحث عنوانه "يهود الجزائر، مجالس الغناء والطرب" صَدَرَ عند دار قرطبة في مدينة الجزائر في عام 2009م إن لم تَخُنِّي الذاكرة.

تبدو انك متأثر بالثقافة الأندلسية صحيح؟

البشرية كلها متأثرة بالثقافة الأندلسية، التي كانت الثقافة الأقوى والأكثر حداثةً في العالم، بما فيه أنتِ وأنا وكل الجزائريين. ويشمل هذا التأثُّر المأكل والمشرَب والهِنْدام والطقوس الاجتماعية والدينية والوُجدان واللِّسان. في غالِب الأحيان، الناس متأثرون عندنا بالإرث الثقافي الأندلسي بشكلٍ غير واعٍ بسبب انقطاع سلسلة التواصل المَعرِفي بين أجيال ما قبْل احتلال الجزائر في عام 1830م والأجيال التي تَلَتْهَا، مِمَّا حال دون إيصال الكثير من القضايا الثقافية والعادات والتقاليد والطقوس الاجتماعية إلى جزائريِّي اليوم. لكن هذه الثقافة صَمَدَتْ في بعض الأوساط العائلية الحَضَرِيَة في قسنطينة والجزائر وعنابة والبليدة والقليعة وتلمسان ومستغانم وندرومة وشرشال وغيرها، وما زالت هذه العائلات تَتَنَاقَل أبًا عن جَدّ أخبارَ الأصول والعادات والتقاليد الأندلسية التي ما زالتْ جزءًا من حياتها اليومية. والمؤرخون مدعوون للوفاء  بهذا الشأن بالتزاماتهم إزاء المجتمع.

في مدينة الجزائر، هناك من لا يزال يطبخ الـ: "كازَا متشاتشو" (Casa Muchacho)، وهي تسمية باللغة الإسبانية. هذه الـ: "كازَا متشاتشو" طبخة تُشبِه ما يُعرَف بـ: "المْتَوَّمْ" في العاصمة الجزائرية و"الكُفْتَة" القسنطينة. وهي مِن بَيْنِ ما أتَى به أهلُ الأندلس من عادات غذائية بعد رحيلهم أو طرْدِهم من بلادهم الأندلس. وكذلك الشأن بالنسبة لما يُعرَف بـ: "كَعْك اللّوز" أو "كَعْك الورْقة" وعادة تقطير الزّهر كما يَعرِفه إلى اليوم أهل البُلَيْدَة وعَنَّابَة...

الحَائِك، الذي يُعدُّ من أبرز الأزياء الخارجية للنساء في الجزائر، في صيغته "حَاَيْك المْرَمَّة" الحريري، الأبيض أو القريب إلى الصُّفرَة، أو في أشكاله الأخرى المتعددة السابقة له تاريخيًا أشاعَه الأندلسيون والموريسْكِيون في الجزائر عند حلولهم بها للعيش على أرضها مثلما هو شأن الـ: "كَارَاكُو" وبعض أنواع القفطان والسروال النسوي الذي كانت ترتديه النساء داخل البيوت في القصبة منذ القرن 16م إلى غاية الثمانينيات من القرن 20م.

كذلك، الغناء الشعبي والقبائلي بأسلوب الحاج مْحمَّد العنقاء أو آيت منقلات ومعطوب الوناس والشيخ الحسناوي ما هو إلا غناء عربيا/أندلسيا في جوهره، أيْ في مقاماته الموسيقية وبنية ألحانه وإيقاعاته...إلخ.

ما مدى تاثير التواجد الأندلسي والتركي والأوربي في الجزائر على الهوية الوطنية إلى غاية اليوم  ؟

الهوية الجزائرية هي ككل الهويات البشرية حوصلة تاريخية لتراكمات ثقافية الْتَقَتْ على هذه الأرض في ظروفِ حَرْبٍ أو سِلْم، واختلَطتْ وتَأثَّرَتْ بِبعضِها البعض وانْصَهَرَتْ فيما بينها لِتُعطي الثقافة الجزائرية والهوية الجزائرية التي نعرِفها اليوم. نحن فينا شيءٌ من أوروبا الأندلسية المسلمة وأوروبا المسيحية (كالإسبان والفرنسيين والإيطاليين والمالْطِيِّين والفَايْكِنْغْ الإسكندنافيِّين وغيرهم) ومِن العثمانيين ولا أقول الأتراك، لأن العثمانيين كانوا خليطا من الأقوام والأعراق (فيهم التركي والبلغاري والألباني والبوسْني والكرْوَاتِي واليُوناني والإيطالي والقبْرصي والكْرِيتِي أو الكْريتْلِي كما يُقال بِصيْغَة تركية...إلخ) والأفارقة السُّود القادِمين من جنوب الصحراء والعرب والأمازيغ والبيزنطيِّين والرُّومان والوَنْدال والفِينييقيِّين... نحن كل هذه الأقوام والثقافات التي انْصَهَرْت وانْسَجَمَتْ فيما بينها في إطار الثقافة العربية/الإسلامية منذ 15 قرنا. بالنسبة لذوي الأصل الكرواتي، أتذكَّر أن أحد أقارب وأبناء عمومة المُغَنِّي الرَّاحِل الشيخ الحَسْنَاوِي، الذي لَقَبُهُ الحقيقي "خَلْوَاطْ"، أكَّد لي أن في الأصل عائلة خَلْوَاطْ القبائلية تنحدر من كَرْوَاتْيَا وقد جاء جدُّها مع العثمانيين إلى الجزائر وأن الناس حَرَّفوا بالنطق صِفة كَرْوَاتْ، نِسبةً إلى كرواتيا، لِتُصبِح "خَلْوَاطْ" الذي تَحَوَّل إلى لقب العائلة وسُلالَتِها....

لماذا ترفض فكرة ازدواجية الهوية عرب أمازيغ وما هي حقيقة الهوية الجزائرية وهل هناك أصول أخرى مجهولة؟

ليس أنا الذي أرْفُض بل التاريخ الذي يرفض هذه الفكرة، لأنها مقولة خاطئة وغير تاريخية تُقصِي بقية المُكوِّنات الثقافية والعِرْقية في البلاد ولا تحترِمها وكأنها لا شيء. هذه الازدواجية تُلغي الجزائري الذي ينحدر من خير الدين بربروس على غرار عائلات عَبُّورَة وتُقصِي عائلات الأحْمَرْ المنحدِرة من مُلوك غرناطة بني الأحمر المتفرِّقين في شمال شرق الجزائر بشكل خاص من جيجل إلى قسنطينة وسطيف وقَالْمَة، ولا تعترِف بعائلات بن القاضي أو أُوالقَاضِي المنحدرة من الأندلس التي أصبح جدُّها الأول في البلاد مِن كِبار الزعماء الروحيين والسياسيين في منطقة جبال جرجرة وبجاية حتى أبواب مدينة الجزائر في القرن 16م. وتُهمِل هذه الفكرة أيضا عائلة جَعُّوطِي القبائلية هي الأخرى المنحدِرة من قرطبة، ولا تأبه بعائلات بن كْرِيتْلِي المنحدِرة من جزيرة كْرِيتْ والقُبْرُصْلِي المنحدِرة من قبْرص وإزْمِيرْلِي المنحدِرة من إزْمِيرْ التركية وبًوشْنَاقْ، ومعناها بُوسْنِيَاكْ (Bosniac)، المنحدِرة من البُوسْنَة، وأرْنَاؤُوطْ المنحدِرة من ألْبَانْيَا وبن تْشِيكُو المنحدِرة من جمهورية التّْشِيكْ، فضْلاً عن بن تْشِيكُو المنحدِرة من موريسكِيِّي إسبانيا... وبطبيعة الحال، هذا الاختزال اللاَّتاريخي لا مكان فيه لِمئات الآلاف على الأقل من الجزائريين المنحدِرين من قبائل البَانْبَارَه وقبائل السُّونْغَايْ الإفريقية المنتشِرة في بلدان الساحل الإفريقي، ولا مَكان فيها للفرنسي شُولِي وزوجته اللذيْن كافحا مع الجزائريين من أجل استقلال الجزائر واختارا الجنسية الجزائرية، ولا لِلفرنسي الآخر على سبيل المثال لا الحصر فِرْنُونْ إِيفُتُونْ الذي أُعدِم بالمقصلة بسبب انخراطه في صفوف الثورة الجزائرية أو المارْتِينِيكِي فرَانْتْزْ فَانُونْ، الذي مات في الجبال من أجل أن تحيا الجزائر حرة مستقلة وأصبح ابنه جزائريا ككل أسرته... لكل هذا، هذه الإزدواجية هوية وهمية مُجحِفة وغير مُعبِّرة عن الواقع الاجتماعي/الثقافي/الديمغرافي الجزائري. 

اتُّهمتَ سابقا بالعنصرية في كتاباتك  الصحفية "القبائل في العاصمة" ثم "الجواجلة في العاصمة" إلى ماذا كانت تهدف هذه الكتابات ؟وما الذي دفعك لإثارة مثل هذه المواضيع  الحساسة ؟

في الحقيقة لم تكن اتهامات بالعنصرية، لأنها مجرّد انتقادات متشنجة صدرت عن قارئ أو اثنين أو بضعة قراء لديهم حساسية مُفرِطة، ربما لحِسِّهم القبلي القوي الذي قد يكون أقوى من حسهم بالانتماء الوطني/القومي الأوسع ولعدم تعوُّدِهم على كتابات من هذا النوع لا تأبه بالممنوعات وجُدران برْلين التي يبنيها المجتمع لنفسه عبر التاريخ ويبقى أسيرا لها. لا أعتقد أن هناك مَن كَتب في الصحافة قبلي منذ استقلال البلاد، على الأقل، حول الجماعات العرقية أو القبلية أو الإثنية التي يتشكل منها مجتمع مدينة الجزائر وبحرية دون مُجامَلة وبالاعتماد على مصادر تاريخية جدية وليس بأقوال فضفاضة وأحكام مُسبَقة ودغدغة المشاعر القبلية/الإثنية الضيقة. هذه المواضيع شَكَّلَتْ جزءا من اهتماماتي التاريخية لِمعرفة مَن نحن وتَقاسمتُ ما اطلعتُ عليه وفهمتُهُ مع القراء. هذه المواضيع ليست حسَّاسة، لكن إطباق الصمت بشأنها والخوف من طَرْقِهَا والخوض فيها يُحوِّلها إلى طابوهات يَخشى الناس اقتحامَها فتزداد تعقيدا. أنا كتبتُ مَثَلاً في موضوع اليهود في الجزائر وقِيل حينها إنه طابو وحَسَّاس... اليوم، لم يَعدْ كذلك والجزائر تَجاوزتْ هذه العقبة، ومعنى ذلك أن الأفكار تطوَّرتْ بالخوض في الموضوع وليس بالسكوت عنه. إذن، لماذا نخشى أن نَكتب عن القبائلي والجيجلي والسُّوفي والبسكري والأغواطي والميزابي والباتْنِي والتَّرْقي والحَرْطَانِي وعن كُل الجزائريين؟ لكن بشكل جدي وموضوعي ومحترِم ومحترَم. الخشية تؤدي إلى إبقاء الماء الراكد راكدا وإلى جمود الأفكار وعدم تطوُّرها وإلى إبقاء النظرة إلى الذات وإلى الآخرين مُحَنَّطة، وباختصار تؤدي إلى تكريس الركود والتخلف.

ما هي مشاريعك القادمة في الكتابة ؟

مشاريع أدبية إن أسعفني الوقت. عندما نلتُ شهادة التعليم المتوسط وكنتُ أحسن تلميذ في مؤسستِي التعليمية في جميع المواد تقريبًا، طلبتُ أن يتم توجيهي إلى الأدب العربي في السنة الأولى من التعليم الثانوي في ثانوية الأمير عبد القادر بباب الوادي في مدينة الجزائر. الأساتذة ثاروا ضدي ورفضوا أن يتخصص في الأدب أحسن تلميذ عندهم في مادة الرياضيات. آنذاك كان أفضل وأعز رفقاء وِحْدَتِي وخلْوتي وأثْمَن أصدقائي محمد الغزالي وطه حسين وأحمد أمين وإيليا أبو ماضي وأبو القاسم الشابي وجبران خليل جبران وجرجي زيدان والمنفلوطي وأبا الطيب المتنبي وأبا العلاء المعري وأبا البقاء الرندي الأندلسي وعبد الرحمن الجيلالي والأمير عبد القادر الجزائري بمؤلفاتهم وأعمالهم الأدبية والفكرية والتاريخية التي كنت ألتهمها التهامًا بِمُعدَّل 3 إلى 4 كُتب أسبوعيًا. لم يتفَهّم الأساتذة مَطالِبي وهَوَايَ، فتخصَّصْتُ في الرياضيات خلال المرحلة الثانوية ثم درستُ في الجامعة الاقتصاد وبعده اللغة الإنجليزية. اليوم، أعتقد أنه حان الوقت لأشفي غليلي الأدبي... المغامرة ليست مضمونة المَرْسَى ولا مضمونة النَّجاح، لكنني سأخوضُها وأنا أعِي تمام الوَعْي بأن "ما يْشَالِي في يوم الحرب غير مَن كان مْعلَّم..." كما كان يقول الحاج مْحمَّد العنقاء.

هل تفكر في الرواية ؟

نعم، أفكر في الرواية. وستكون أجواؤها غير بعيدة عن أجواء المواضيع التي كَتَبْتُ عنها حتى الآن.

ما رايك في الكاتبة كوثر عظيمي ؟احلام مستغانمي ؟

بصراحة لا أعرف أكثر من اسمها، وأنا عادةً لا أهتم بالأعمال التي يتم الإفراط في الترويج لها، لأن الإفراط في الترويج يُخفي عادةً وراءه أشياء، ولا أحب أن أكون ضحية إستراتيجيات التسويق السياسي والتجاري. وهذا ما رأيناه سابقًا في الترويج حتى في القنوات الرسمية الجزائرية لِبوعلام صلصال مثلاً قبل أكثر من 17 عاما وأيضا لِكمال داوود لاحقًا ولِغيرِهم، مع احترامي للجميع طبعًا.

يقولون انك تنحدر من أصل أندلسي لأنك بملامح أوروبية ههههههه ما رأيك؟

بياض البشرة والعيون الزرقاء ليست ملامح بالضرورة أوربية ولا أوروبا تَملِك "حُقوق التأليف" بشأنها. هذه الخصوصيات موجودة في أفغانستان وفي إيران وفي كل البلاد العربية وحتى الإفريقية، لأن المجموعات البشرية منذ الأزل تَختلِط ببعضها وتتلاقح جيناتُها. لكن في الحقيقة، وحتى أصْدُقُكِ القول، بعد نحو 5 سنوات من شروعي في البحث لإنجاز كتابي حول الشتات الأندلسي في الجزائر، اكتشفتُ بالصدفة خلال الاستقصاء والاستجوابات واستنطاق المراجِع التاريخية أن دِماءً أندلسية تَسرِي في شراييني كما اكتشفتُ أنها تسري في شرايين ملايين الجزائريين الآخرين من مختلف جهات البلاد من الطَّارف إلى مَرْسَى بن مْهِيدِي ومن مدينة الجزائر إلى الحدود المُطِلة على بلدان الساحل الإفريقي.

التعليقات(5)

  • 1
    جمال فرنسا 05 فيفري 2018
    لم تجد موضوع اخرى تبحث فيه سوى اليهود .في الامازيغ و العرب و بني مزاب و التواق...اجتنبوا الشبهات
    معجب غير معجب 0
  • 2
    mamouni الجزائر 05 فيفري 2018
    كلام جريئ وواقعي وصريح فانت من انت شئت ام ابيت لكل شجرة فاكهتها ولكل فاكهة مداقها فمداقك عربي ان لم تستعمل التقية وفقك الله في عملك فما عليك الا الاخلاص
    معجب غير معجب 0
  • 3
    هواري France 07 فيفري 2018
    للاسف هناك ندرة في الكتب التاريخية عن الجزائر ; رأيت كتاب تاريخي الان متوفر فقط في أمريكا Amazon.com لباحث جزائري عن وهران وهو حاليا غير متوفر في فرنسا ولا في الجزائر ادخل ل Amazon.com و اكتب Histoire d’oran سلام
    معجب غير معجب 0
  • 4
    بوصلاحي بجاية 07 فيفري 2018
    .( مع اني اتابع مقالاته في الشروق اليومي حول الرياضيات و علماءها )
    رياضي ومؤرخ وباحث في التاريخ وموسيقي ووو منغلق ومعقد
    نقطة الى السطر
    معجب غير معجب 0
  • 5
    الاسم البلد 11 فيفري 2018
    شكون هذ ا
    معجب غير معجب 0

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha