رئيس الحكومة الأسبق للشروق العربي

أحمد بن بيتور: أدعو لاستغلال شبكات التواصل الاجتماعي لإحداث التغيير

التجنيد السلمي الواسع السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد

استمرار حالة الغلق تنذر بانفجار الشارع


يواصل رئيس الحكومة الأسبق، الدكتور أحمد بن بيتور، عرض رؤيته الاقتصادية والسياسية لإنقاذ الجزائر من وضعيتها الحرجة التي تمر بها، وفي هذا اللقاء الذي خصه الدكتور للشروق العربي، أكمد مجددا على أن البلاد تعيش حاليا على حساب الأجيال القادمة، من خلال استمرارية تصدير الثروة(النفط) واستيراد الفقر، محذرا بأن حالة الغلق الشامل الذي تعرفه البلاد، خاصة في مجال الحريات، تنذر بانفجار وشيك للشارع، ما قد يؤدي الى خطر محدق بمستقبل الأمة، داعيا في الوقت نفسه إلى ضرورة التجنيد الواسع لمختلف شرائح المجتمع للعمل السلمي، باعتباره الوسيلة الوحيدة الآمنة لإحداث التغيير وإنقاذ البلاد.

هل يمكننا أن نقول أن السنوات العجاف التي حذرتم منها طويلا قد حلت بالبلاد، أم أن الجزائر استطاعت أن تتفادى الأسوأ ؟

دخلت البلد في مرحلة السنوات العجاف بمفهومها بندرة إمكانية تمويل ميزانية الدولة والاقتصاد بكامله، كما يظهر في الأرقام التالية ما بين 2006 ـ 2011 انخفض حجم إنتاج المحروقات بنسبة 16.7 بالمائة، ومادام تزامن مع ارتفاع الطلب الداخلي للمحروقات فإن حجم تصدير هذه المواد انخفض بنسبة 25.6 بالمائة في تلك الفترة ومازال في الانخفاض، لكن لم يكن له تأثير في تلك الفترة على إمكانية التمويل، حيث ارتفع سعر البرميل بـ77 بالمائة ومنذ  2014 دخلت البلد في انخفاض حجم التصدير وانخفاض سعر البرميل، حيث أن مداخيل صادرات المحروقات تراجعت من 63 مليار دولار 2013 إلى 27 مليار دولار في 2016 وسعر البرميل انخفض من 109 دولار كمعدل سنوي في 2013 إلى 45 دولارا في 2016 مما دفع للجوء إلى تمويل عجز الميزان التجاري إلى مخزون البلاد من العملة الصعبة بـ34 مليار دولا في 2015 واكثر من 30 مليار دولار في 2016 مما سيؤدي لا محالة الى نفاد مخزون الصرف في 2019 وما ينجر عنه من ندرة في الأسواق نظرا للتبعية الخارجية المفرطة فيما يخص التمويل ومن ثم خطر انفجار الشارع.

   سبق وأن حذرتم من أن الجزائر ستدخل في مرحلة ما بين 2018 و2022 فيما أسميتموه ذروة الإنتاج للغاز والبترول، ما يجعل الجزائر تدخل في مرحلة والخطر الحقيقي، كيف؟

ما كان تقديرا بالأمس أصبح واقعا ملموسا بالأرقام كما وضحته في الجواب السابق. انخفاض إنتاج الغاز بحاسي الرمل بـ27 بالمائة ما بين2008 و2012 واغلب آبار حاسي مسعود تعمل بدفع الماء في البئر لإخراج البترول ومن البديهي انخفاض الإنتاج وارتفاع الطلب الداخلي سيؤديان للندرة.

إن استعمال أكثر من 30 مليار دولار سنويا من مخزون الصرف يؤدي إلى استهلاك كل المخزون بعد 2019.

تراجع رهيب تشهده قيمة الدينار مقابل اليورو والدولار، كيف تقيمون سياسة الحكومة في مواجهة هذه المشكلة بعد ما أعلنته عن طباعة للعملة؟

السؤال فيه قضيتين، انخفاض سعر الدينار والتمويل بطباعة العملة، فيما يخص سعر الدينار فهذا راجع للسياسة المتبعة في تمويل ميزانية الدولة بالجباية البترولية. فالجباية تمثل قسطا ملموسا من مداخيل الميزانية وهذه الجباية تأتي من تصدير المحروقات، مثلا إذا صدرت شركة ما ألف دولار من المحروقات فإن الزبون في الخارج يسدد ألف دولار عند البنك المركزي وهي تحول هذه الدولارات إلى دنانير. فإذا كان سعر الدينار هو 70 دينارا فالدخل يكون 70 ألف دينار جزائري، واذا كان 110 دينار جزائري فيكون 110 ألف دينار جزائري تقطع منه الجباية البترولية التي تذهب إلى الخزينة والباقي يذهب إلى الشركة المصدرة ومن ثم نصبح في وهم ارتفاع المداخيل بما يقارب 60 بالمائة، ولكن وهم مسيري البلاد يصبح واقعا ملموسا لدى المواطن البسيط، حيث سعر المواد المستهلكة ترتفع مباشرة بأكثر من 60 بالمائة. 

 

التضخم الذي سينجر على طبع العملة وتراجع سعر الدينار سيكون كارثيا من 3 أرقام إلى 4 أرقام حسبكم، خاصة على أسعار المواد واسعة الاستهلاك، اشرح لنا بالتدقيق كيف سيتأثر المواطن في معيشته اليومية؟

هناك عاملين في سياسة تمويل ميزانية الدولة سيؤديان إلى التضخم ومن ثم انخفاض القدرة الشرائية للمواطن. لما نتكلم عن آثار التضخم على القدرة الشرائية للمواطن نتكلم بصفة خاصة عن كلفة المواد الغذائية، بحيث نستورد 75 بالمائة من الكالوريهات الحرارية المستهلكة ومن ثم اثر مباشر وقوي لانخفاض قيمة الدينار على القدرة الشرائية للمواطن، وكذلك تمويل الميزانية، مما يعبر عنه هذه الأيام بالتمويل غير التقليدي يؤدي إلى التضخم بحيث تمول الميزانية دون مقابل في الإنتاج وبالتالي ارتفاع في الطلب على مواد الاستهلاك بدون التواجد الكافي من المواد في السوق، وتنجر عنه الندرة وارتفاع الأسعار، ضف إلى ذلك العامل الثالث وهو العجز في الميزانية التجارية في الاستيراد والندرة التي تتبعه. وعندما نتكلم عن أرقام التضخم نتكلم عن التضخم برقم واحد من 1 بالمائة الى 9 بالمائة  والتضخم برقمين من 10 بالمائة إلى 99 بالمائة والتضخم بـ3 أرقام من 100 في المائة إلى 999 في المائة.

والملاحظ في السوق أن أسعار مواد الاستهلاك تضاعفت ومن ثم فإن التضخم زاد عن 100في المائة وأصبح بثلاثة أرقام قبل آثار التمويل غير التقليدي وانخفاض قدرة التمويل في عجز الميزان التجاري مما ينجر عنه ندرة في الأسواق.

أشرتم سابقا إلى إهمال السلطات الحديث عن المستوى الثالث للتنمية والذي يعني التنمية المستدامة والمستوى الرابع من التنمية الخاص بوجود حرية الأفراد والمستوى الخامس الذي يجعل من التنمية رديفا لفكرة الإنصاف، كيف ذلك؟

يجب تسجيل تحول في مفهوم التنمية عند النظرية الاقتصادية، في البداية كان التعبير عن التنمية مختصرا في ارتفاع الإنتاج، ثم جاءت فكرة إضافة تحسين في فعالية مؤسسات إلى إلى ارتفاع الإنتاج، ثم جاءت التنمية المستدامة بمعنى ما نستهلكه اليوم لن يكون على حساب الأجيال القادمة. ومن هنا فإن الجزائر بعيدة كل البعد عن هذا المفهوم للتنمية، حيث نعيش بتصدير مادة غير قابلة للتجديد وهي المحروقات، يعني نعيش على حساب الأجيال القادمة، هذا ما عبرت عنه في مناسبة سابقة بتصدير الثروة واستيراد الفقر، ثم جاءت فكرة أن الحريات هدف ووسيلة للتنمية وبعدها أضيف فكرة الإنصاف كوسيلة للتنمية يعني عدم ترك أي شخص على الرصيف أمام قاطرة التنمية.

ما تقييمكم لقانون المالية الجديد وطريقة تقديمه للرأي العام؟

عندما اقتنعت بفكرة دون تغيير نظام الحكم بكامله وليس الاكتفاء بتغيير الأشخاص، فإن البلاد ذاهبة إلى ما لا يحمد عقباه، فلا أهتم بعمل المؤسسات القائمة حاليا وخاصة قانون المالية الذي لم اهتم بما جاء فيه.

أداء المعارضة الجزائرية تراجع كثيرا في المدة الأخيرة ومعه تراجع التنسيق والتحالفات في مواجهة السلطة القائمة، ما هي أسباب ذلك؟

كان هناك خلاف هام  بين مكونات المعارضة حول المشاركة من عدمها في الانتخابات التشريعية والمحلية ومن ثم غياب نجاعة التنسيق والتحالف.

تراجع أداء الأحزاب رافقه تراجع في نشاط الشخصيات السياسية البارزة وقلة ظهورها ومنهم أنتم، لماذا يا ترى؟

هناك غلق لكل الحريات ووسائل العمل السياسي، فأنا مثلا ممنوع علي أبواب التلفزيون والإذاعات، وكذا القاعات وإلقاء المحاضرات، وحتى أبواب الجامعة لإلقاء المحاضرات ذات الطابع العلمي، ومن هنا فإن مسؤولية القيادات الحالية للبلاد كبيرة فيما وصلت إليه البلاد اليوم، وما ستصل إليه في المستقبل.

شيء صعب أن يصل بكم الأمر إلى حد التأكيد أنكم لم تعودوا تؤمنون بالترشح والانتخابات، هل هناك سبل أخرى لفرض التغيير؟

في ظل انغلاق الحريات فإن الانتخابات والترشح لن يصلا للتغيير المطلوب، طبعا هناك سبل أخرى والحالة المتوقعة والآنية للبلاد تنذر بوقوع جد محتمل لانفجار الشارع الذي سيؤدي إلى التغيير في أصعب الحالات والخطر على مستقبل الأمة.

من بين آليات التغيير التي دعوتم إليها هي استخدام الفيسبوك واليوتوب لتحقيق هذا الهدف، كيف يمكن ذلك عمليا، خاصة بالنسبة لجيل الشباب؟

الكلام هنا على الشبكات الاجتماعية، فهذه الآليات تنجو من مراقبتها وغلقها من طرف السلطات القائمة، وسجلنا ما عبر عنه بالربيع العربي إمكانية التجنيد والدور الفعال لهذه الآليات لنجاح عمليات التغيير ، ومن هنا إمكانية التجنيد الواسع لحماية الأمة عن طريق بناء تحالفات وتنسيقيات داخل هذه الشبكات كمكون للروح النضالية والتحضير للتغيير.

دائما تعود الأزمات المفتعلة لضرب استقرار البلد، على غرار أزمة غرداية، والتحرك في  بلاد القبائل، هل فعلا لدينا مشكلة هوية، وما هي رؤيتكم لتجاوز هذه المعضلة؟

لقد اقترحت سنة 2001 برنامجا عبرت عنه بالوحدة والتعددية، برواج واسع وإبلاغ اكبر عدد من المواطنين بضرورة الوحدة في إطار التعددية، تلحقه سنة 2002 انتخابات رئاسية مسبقة لتجسيد البرنامج ولم ألق آذنا صاغية، أما اليوم عندما نقتنع بشرح حالة البلاد والخطر على المستقبل القريب للأمة فإن ضرب الاستقرار سيأتي من سوء التسيير وليس من جهات أخرى، فعند فشل البلاد في أي جهة تصبح لها القدرة على ضرب استقرارها ومن ثم أقول أن الحل لن يأتي إلا بتغيير نظام الحكم.

دكتور، هل هناك أمل يمكن أن ننتظره كشعب وسط كل هذه العتمة والظلام؟

الأمل دائما موجود، لكن كما قال الشاعر احمد شوقي فما نيل المطالب بالتمني.. ولكن تؤخذ الدنيا غلابا، ومن هنا إذا كان التجنيد واسعا للعمل السلمي على إنجاد الأمة من المخاطر المحدقة فيبقى الأمل كبيرا في بناء دولة قادرة على تلبية طموحات الشعب.

كلمة أخيرة لقراء مجلة الشروق العربي ومن خلالها للشعب الجزائري؟

التحليل العلمي والموضوعي للحالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلاد ينذر بالخطر القريب على مستقبل الأمة، والاحتمال الكبير لانفجار الشارع، مما سيستلزم التجنيد السلمي لبناء الطريق المؤدي إلى حماية البلاد، بالعمل ببعدين، التجنيد السلمي لحماية الأمة الجزائرية وكذلك تحديد وتجسيد برنامج اقتصادي لا يرتكز على المحروقات فقط، وإعادة بناء مؤسسات تسيير شؤون البلاد، نجاح التجنيد السلمي يتطلب تحديد منهجية جديدة ترتكز على محورين أساسيين وهما توحيد الهدف من جهة وتوسيع طرق ووسائل التجنيد السلمي للوصول إلى الهدف المقصود. توحيد الهدف من اجل الاستفادة من التعاضد بين الأعمال الفردية والجماعية القائمة من اجل الوصول إلى الهدف. الهدف الواحد حماية وازدهار الأمة الجزائرية بشعار الحماية والازدهار. ودوام الحماية لا يتحقق إلا بالازدهار.

التعليقات(2)

  • 1
    بوزيد البلد 02 فيفري 2018
    هذا الخبير المالي والإقتصادي والسياسي لم تسنح له الفرصة لتنفيذ الكثير من مخططاته لانقاذ الإقتصاد الجزائري والجزائر، ففي كل مرة يصطدم بحكام رأسمالهم الجهل والتاغنانت وتضخم الذات والكبر وتعودهم على البوباغاندا والكالم الفارغ، ولهذا استقال عام 2000 بعد أشهر من توليه الوزارة الأولى بسبب أن الرئيس كان يركز على الشعبوية والتهريج بينما كان يسعى بن بيتور إلى بناء اقتصاد منتج ومستقل عن ريع المحروقات .... وهكذا تحرق السلطة في الجزائر كل إمكانيات حل الأزمة وتستمر في الهروب إلى الأمام والدخول بالجزائر وشعبها في الحائط لا قدر الله.
    معجب غير معجب 0
  • 2
    رانى زغفان الجزائر 03 فيفري 2018
    المراهنة على الشعب بالاانفجار او التجنيد السلمى لم تعد مجدية فهموم عامة الشعب منحصرة فى لقمة العيش و الكرة و الذهاب الى تونس فى الصيف. ولا حول ولا قوة له امام التهويل الاعلامى من الفتنة و التصادم و الحرب الاهلية التى ذاق ويلاتها.الشعب يدرك انه امام تعنت السلطة فان اية محاولة للانتفاضة تعنى يالضرورة اصطدام الجزائريين بعضهم ببعض و هو ما لايرغب فيه احد.عندما يجد الشعب من يثق فيه ليقوده الى بر الامان و يخلصه من وضعه سيتبعه اما الان فانه يفضل الاستقرار بمساوئه على المغامرة.
    معجب غير معجب 0

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha