بين الأسطورة والحقيقة

لالة خداوج ..حسناء القصبة التي عماها جمالها

من قتل ابنة الباشا.. كحلها أو مرآتها..؟


من يزور القصبة لابد أن يقف أمام هذه التي تجلس على عرش المدينة، بأزقتها الضيّقة الملتوية تأخذك في دوامة الأساطير، فتجد نفسك تقف أمام باب دار "خداوج" المشهورة بالعمياء، سقفها يحمي شبح اللالة الخالدة من الهروب وغرفها العثمانية تروي أول ميثولوجيا جزائرية… "الشروق العربي" وقفت امام الدار ودقت الساعة تمام الحكاية.

دار خداوج العمياء المشهورة في القصبة والمعروفة الآن بمتحف الفنون الشعبية، تحكي حقبة من الزمن الجميل  في قلب العاصمة النابض "القصبة"، غير بعيد عن جامع كتشاوة وعن ضريح الولي الصالح عبد الرحمن الثعالبي، تصعد درجات متثاقلة تحن لأميرتها الغائبة، تصلك بقصر ليس لرابونزل بجدائلها الطويلة ولا سندريلا برواية شارل بيرو السعيدة، إنما هو آخر ملاذ لابنة الخزناجي حسن باشا الذي كان قائد الأسطول البحري في الدولة العثمانية في القرن السادس عشر.

يخرب عيونك يا خداوج

تبدأ القصة الحقيقية بطفلة مدللة اسمها خديجة، ومن فرط حب والدها لها واستجابته لكل طلباتها، كان يطلق عليها اسم خداوج التي كانت تشبه في جمالها زهرة الخدويجة التي تعرفها كل الجزائريات، كبرت خداوج لتصبح الفتاة الأكثر جمالا في أزقة ونواصي البهجة، وكان الكل يثني على فتنتها وعيونها التي كانت تستعمل لتجميلهما كحلا خاصا يأتيها من الباب العالي. عيون خداوج اضحت حديث الشعراء ومطمع الأغاوات والباشوات، لكن لا أحد تجرأ على خطبتها خوفا من الرفض

المرآة المشؤومة

هناك من يقول أن خداوج أصيبت بنوع من النرجسية المرضية، خاصة بعد أن أهداها والدها حسن باشا مرآة مرصعة بالجواهر الحسان واللالئ واليواقيت والتي لم يكن يضاهيها جمالا إلا عيون وثغر خداوج.

وفي زمن قصير شغلت المرآة حياة لالة خديجة التي لم تكن تنفك عن النظر فيها إعجابا، وعلى الرغم من وجود الخدم والحشم، إلا أن حسناء القصبة كانت تشعر بالوحدة.

 تنتهي قصة خداوج بليلة فقدانها البصر، هناك من يقول بسبب المرآة وهناك من يقول بسبب الكحل الذي كانت تستعمله، ورغم تدخل الأطباء، إلا أن عيون خداوج انطفأت فجأة وانطفأت معها حياة والدها حسن باشا الذي قرر قبل وفاته بناء هذه الجوهرة المعمارية لابنته كي تقضي فيها بقية حياتها بعيدا عن مرآى الناس وفضولهم.

قصر أو سجن مدى الحياة

أرادت خداوج العمياء أن يكون قصرها إحدى الروائع المعمارية العثمانية، بسقيفة كبيرة، تطل على السماء، وكانت الخادمات تساعدنها في الوصول إلى الطابق الثاني بانتهاج مدخل يؤدي إلى أدراج منتظمة في أربعة اتجاهات، يعلوها سقف بيضاوي مقبّب، يتخلله مخزنان، ويعرف هذا النوع بمخازن البرطوس.

في الطابق الثالث كانت غرفة خداوج الفخمة، وكانت تجلس في المشربية الباشوية التي تطل على الشارع لتسمع صخب الحياة العاصمية.

 بعدك يا خداوج

هناك روايتان عن صحة اسطورة خداوج، أولاهما للمؤرخ "ألبير ديفول" الذي أرخ بناء القصر للقرن السابع عشر على يد حسن خزناجي حسب الأرشيف الموجود آنذاك، وثانيهما للمؤرخ "لوسيان جولفان" في كتابه "قصور ودور العاصمة" والذي نفى ذلك وأرخ بناء الدار إلى سنة 1570 من طرف قائد البحرية آنذاك رايس يحيى.

قبل احتلال الجزائر وبعد موت لالة خداوج، تم كراء الدار من طرف يعقوب البكري خزندار، آخر دايات الجزائر ‪"الداي حسين"، لكنه بعد 1830 قرر احفاد اخيها نفيسة وعمر كراءها لثري يدعى السيد غوتوا.

 وعاث الفرنسيون بأقدامهم الملطخة في دار خداوج العذراء، غير انهم بعد قرن ونيف نفضوا قذارتهم وغادروا دارها الخالدة. 

التعليقات(0)

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha