يسير وفق مبدأ "شد.. مد"

"السكوار".. هنا تقاس درجة حرارة الدينار


هي سوق غير رسمية، لكنها تساهم بشكل كبير في عملية التبادل الخاصة بالعملة الصعبة في الجزائر، ملايير الدنانير تمر من هنا كل يوم، وشباب يداعبون مختلف العملات، بعيدا عن رسميات الانتظار وإجراءات التبادل المقنن، سوق وإن كانت غير رسمية، إلا انها تتأثر مثلها مثل المؤسسات الرسمية الأخرى، بمبدأ العرض والطلب، وأصبحت رقما حساسا في معادلة الاقتصاد الجزائري.

كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف، لما وصلنا إلى إمبراطورية المال والتبادل الحر، في الحديقة المسيجة ببور سعيد، أو "السكوار" كما يعرفه العامة، ما إن توقفت السيارة ونزلنا، حتى تقدم إلينا شاب في مقتبل العمر مبتسما، وهو يحمل في يده رزمة من العملة الجزائرية، وخاطبنا بصوت خافت "الشونج خويا"، ربما لأننا  كنا نحمل معنا محفظة صغيرة جذبته إلينا، وظن أننا من الزبائن الذين وصلوا إلى توهم، اعتذرنا منه بأدب لإصراره وانصرفنا.

من هنا بدأت رحلتنا  في شوارع هذه الإمبراطورية، التي كبرت واتسعت أطرافها من يوم لآخر، وأصبحت مكانا حرا لتبادل العملة الصعبة في الهواء الطلق، يصادفك في كل زواياها بنات الهوى، يتداولن على سيجارة واحدة، ويتكلمن الكلام البذيء بصوت مرتفع، وخصامهن الذي لا ينتهي، يصل في بعض الأحيان إلى التعدي على المارة، بمجرد أن يلتفت إليهن أحد، أو يطيل النظر فيهن.

أول ما يلفت نظرك، وأنت تتجول في "السكوار"، كثرة باعة العملة النقدية بمختلف أنواعها، شباب من مختلف الأعمار والأشكال يقفون  في كل زاوية، يخاطبون كل المارة من كلا الجنسين، وفيهم من يغازل الجنس اللطيف الذي يمر بالقرب منه، بالعد وإعادة العد للعملة التي يحملها، في حركة سريعة متقنة، تحصي بها سنوات خبرته في هذا المجال، يتحدثون لغة واحدة، "الشونج خويا"، ويقومون بالحركة نفسها، وهي النظر في كل الاتجاهات، سواء للبحث عن الزبائن، أو لأسباب أخرى عرفناها فيما بعد، يحملون الهاتف بيد والعملة النقدية باليد الأخرى، والملفت للنظر كذلك، رنات هواتفهم التي لا تتوقف، لكنها مجرد مكالمات قصيرة تغلب عليها لغة الأرقام، فهذا المكان  ليس للمزاح أو لقصص الحياة اليومية، على حد تعبير شاب كان بالقرب منا، أقفل هاتفه النقال في لحظة نرفزة وهو يردد "لسنا هنا للعب خويا... سلام".

لما جلسنا في هذا المكان، استطعنا أن نرسم صورتين متشابهتين تماما، صورة من واجهة  البحر، وأخرى على الرصيف، فحين تلتقط  منظرا مكبرا لهما، تجمع بين التي على الشاطئ، وهي صورة صيادين ينتظرون ساعات طويلة، ربما تخطأ الأسماك طريقها، وتقع في شباكهم، وأخرى على الرصيف في شارع بورسعيد، وهم شباب ينتظرون أوقاتا طويلة، من أجل زبائن تقودهم الحاجة، للبحث عن العملة الصعبة في الهواء الطلق، بعيدا عن إجراءات الإدارة وطول الانتظار.

صحفي... غير مرحب به هنا

لن تذهب بعيدا، وأنت تتباهى ببطاقة عملك كصحفي، وإن أردت أن تسترق السمع، أو تجمع بعض المعلومات من هذه السوق الموازية، فعليك أن تكون إنسانا بسيطا عاديا، يريد أن يرتشف كوب قهوة سريعا، في مقهى ضيق لا يتسع للكثير من الأشخاص في هذا الشارع، أما كونك صحفيا، فهناك من يريد ركلك أو لكمك، فكلما تتحدث الصحافة عن "السكوار" يحل به الدمار، كما حدثنا باعة العملة الصعبة هنا، لكننا استطعنا أن نقترب إلى بعضهم، والجلوس إليهم ولو لفترة قصيرة، لمعرفة أسباب صعود قيمة العملة في سوق "السكوار" في الأيام الأخيرة، ووصولها إلى أرقام قياسية، لامست 2020، حيث أرجع أغلبهم الصعود الكبير وغير المتوقع للعملة، إلى قرار طبع المزيد من العملة الجزائرية كما هو معروف، هو ما دفع بالكثير من الناس إلى البحث عن العملة الصعبة، ليس أرباب العمل فحسب كما يعتقد البعض، لكن حتى الأشخاص العاديين، الذين يملكون قيمة مالية قليلة، وهو من بين الأسباب التي نتج عنها ارتفاع قيمة الصرف في بورسعيد.

كيف تصل العملة الصعبة إلى هذه السوق؟

يتساءل الكثير من الناس، عن كيفية وصول هذا الكم الهائل من  العملة الصعبة الى هذا المكان، وهو أمر من الصعب الوقوف على حقيقته، ويبقى التستر واجب من طرف الكثير من باعة "الأورو" وغيره، لكن ما أكده لنا الكثير منهم، هو شراءها من المهاجرين خاصة، وكذلك من بعض السياح الأجانب وحاجتهم للعملة الجزائرية، وكذا بعض المؤسسات الأجنبية، ومن هنا تبدأ عملية البحث عن بيعها، إلى كل من يريد العملة الصعبة، من تجار سوق دبي والشخصيات الفنية والرياضية من أجل سفرياتهم المفاجئة، والكثير من الشخصيات المعروفة في كل المجالات حتى السياسية منها، وهو القانون الذي تسير وفقه هذه السوق الموازية للصرف.

"السكوار" المكان المحظور الذي يقف شامخا بين مؤسسات الدولة

كثيرا ما نسمع عن مداهمات الشرطة والأمن لـ"السكوار"، وحجز العملة الصعبة، وحبس الكثير من الباعة، لكنك عندما تتجول في هذا المكان، تجد نفسك محاطا بالأمن والشرطة من كل زاوية في هذا المكان، والمتأمل كذلك يجد أن الكثير من المؤسسات الرسمية على مرمى حجر منه فقط، على غرار مجلس الأمة والشعب، والأمن وغيرها، لتجد في الأخير تعبيرا واحدا فقط  لوصف هذا المكان، بأنه مؤسسة غير رسمية محظورة، لكنه في نفس الوقت مسموح بها، وتبقى سائرة المفعول والعمل طوال أيام السنة، برغم كل ما يحدث فيها في بعض المرات، حين يصف بعض الاشخاص من باعة العملة فيها، على حد تعبير أحدهم "الأمان كل يوم، والبلاء يوم فقط ".

سوق مفتوحة على الهواء الطلق ولكل شباب الجزائر

لا تظن أن هذه السوق التي تتوسط العاصمة، هي مكان مخصص للعاصميين فقط، فقد حج إليها الكثير من الشباب من كل الولايات، فحين تتجول فيها تسمع  مختلف اللهجات الجزائرية، شباب من مختلف الولايات على غرار سطيف وجيجل وتيزي وزو، وكذا شباب الغرب الجزائري، فكما كانت سوقا موازية مفتوحة على الهواء الطلق، فهي كذلك مفتوحة لكل الشباب الجزائري دون استثناء.

 سوق موازية... وظفت الكثير من الشباب

لا يغرنك وأنت تتجول في هذه السوق، مظهر شاب في مقتبل العمر، وهو يحمل رزمة من العملة الصعبة، أو الكثير من الأوراق النقدية من العملة الجزائرية، فهم في الغالب شباب وظفوا من طرف أرباب عمل، اختاروا الوقوف عن بعد ومراقبة هذه السوق، ووظفوا العديد من الشباب للقيام بعملية التبادل، يختلفون في قيمة أجرتهم، حسب الحاجة إليهم، وقدرتهم على البيع والشراء في عملية التبادل، وكذا الثقة وحسن السيرة.

هي صورة مكبرة عن واقع سوق "السكوار" التي أسالت الكثير من الحبر، وتبقى رغم كل الظروف مساحة للتبادل الحر للعملة الصعبة في الهواء الطلق.

التعليقات(6)

  • 1
    دراهم الشعب المغبون البلد 01 جانفي 2018
    كيف تصل العملة الصعبة إلى هذه السوق-سهلة مهلة كل الناس تعرف الجواب هي مافيا الخفاء المجرمة المخربين اصحاب المصالح لا غير اهل النهب بطرق ملتوية مستفيدين من الوضع الحالي هم الاقلية و اعداء الشرعية الشعبية باش تبقى قهوة موح اشرب وروح لا رقابة ولا محسابة
    معجب غير معجب 0
  • 2
    انيس البلد 01 جانفي 2018
    العملة الكثيرة في سوق البندية السكوار يتم شراءها من المهاجرين، وكذلك من بعض السياح الأجانب كلام كرنفالي و لا يصدقهم الشعب ابدا اشاطر رقم 1
    معجب غير معجب 0
  • 3
    المقروط البلد 01 جانفي 2018
    بإختصار "ملعبة" و طاق على من طاق.
    معجب غير معجب 0
  • 4
    الاسم البلد 01 جانفي 2018
    راك غير تخرط صاحبي
    معجب غير معجب 0
  • 5
    أنا جحا و غابتلي البلد 01 جانفي 2018
    الشرطة و الدرك و جهاز الإستخبارات الجزائرية تتصدى لأعقد و أصعب عمليات الإرهاب و تسجن و تقتل الألاف منهم إلا أنها كلها لا تصلح للقبض على "سماسرة الدوفيز" و هم حفنة يتداولون العملة بكل شجاعة و جراة أمام أعين البوليس و إبليس. في القضية رائحة من حكايات جحا. جوايو نويل لأبناء الأم فرنسا.
    معجب غير معجب 0
  • 6
    nacer alger 03 جانفي 2018
    الدولة تعلم ان سوق السكوار أضعف العملة الجزائرية لكن سكوتهم يعني ان الدولة هي من تمول سوق السكوار لمصالحها الشخصية .
    هذه دولة لا يمكن اصلاحها بل يجب تغييرها كليا , و لا نخلط بين الدولة و الوطن .
    معجب غير معجب 0

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha