تحولت إلى مهنة رائجة دون حسيب أو رقيب

"الدروس الخصوصية".. أو المتاجرة بعقول التلاميذ داخل المستودعات

أساتذة ومعلمون جمعوا أموالا طائلة عبر التدريس في بيوتهم أو كراء (كاراجات)

الوزارة الوصية تبقى تتفرج وتكتفي بالتوعية والتحسيس


أطلق عليها اسم دروس الدعم كي تدعم التلميذ، وكانت ستفيده لو كانت في أماكن تسمح له بالتركيز الجيد فيما تعسر عليه استيعابه في المؤسسات التربوية، لكن ومع زيادة الطلب على هذه الدروس، أضحت اليوم تجارة تدر أرباحا وأموالا طائلة على البعض، يمارسونها في مختلف الأماكن، حتى منهم من أصبح يقدمها في مستودعات، ومآرب للسيارات.

وتحولت الدروس الخصوصية، في الكثير من الأحيان إلى مصدر قلق يزعج الآباء ويثقل كاهلهم بنفقات إضافية تفرغ جيوبهم، لأنها صارت ضرورية لدى البعض وإجبارية لدى البعض الآخر، وبات المعلم والأستاذ في قفص الاتهام توجه لهاتهامات كثيرة، فمن جهة لضعف مستواه التعليمي وعدم حرصه على تطوير نفسه ومعلوماته عبر الزمن، ومن جهة أخرى عدم اهتمامه بالتلميذ وإمكانياته، وإهمال إيصال رسالته السامية، ويقابله الجشع والانتهازية، وتفضيل الدروس الخصوصية على إتقان واجبه المهني في المدرسة، فينظر إليه من طرف البعض بعين الريبة والشك، حيث لا يستنفد كل قواه، لأنه يباشر بعد الدوام عمله الثاني الذي يدر عليه أموالا إضافية، من شأنها أن ترفع عنه الغبن وتخفف عنه لفح تدهور القدرة الشرائية.

دروس خصوصية داخل المستودعات

يتفق الكثير من الأولياء على تصاعد ظاهرة الدروس الخصوصية، التي صارت مهنة موازية يحترفها المعلمون والأساتذة، في البيوت أو المرائب في ظل انعدام أدنى شروط الراحة، فانتشرت عدواها بشكل كبير، فضلا عن ذلك يشتكي التلاميذ من الظروف السيّئة التي يتلقون فيها الدروس الخصوصية، كون أنّ عددا كبيرا من الأساتذة يلجأون إلى تأجير محلاّت تجارية غير مهيّأة أو مستودعات، من دون توفير التهوية أو أجهزة تبريد أو التدفئة وأكثر من ذلك حتى الطاولات، إذ يكون التلميذ محظوظا في حال حصوله على كرسي، فالدروس الخصوصية داخل هذه المستودعات لا تخضع لأية رقابة من الجانب الصحي للتلاميذ، من منطلق أن جل المستودعات حولت إلى أقسام دراسية بوضع سبورة وكراسي عادية لا تتوافق مع المناهج البيداغوجية والصحية للتلاميذ، وفي هذا تقول أحلام من بومرداس وهي تلميذة مقبلة على اجتياز شهادة البكالوريا أنها تأخذ دروسا خصوصية في مادة الرياضيات عند أستاذة في مرآب للسيارات حولته هذه الأخيرة إلى قاعة درس، لكن أدنى شروط الراحة فيه غير متوفرة، فلا تهوية ولا مدفأة، ففي فصل الشتاء يضطر التلاميذ إلى ارتداء المعاطف من شدة البرد، بالإضافة إلى الاكتظاظ، فتقول أن الأستاذة تدرس ما يقارب 100 تلميذ في نفس المكان، أما في فصل الصيف فإن رائحة الجوارب والأحذية تملأ المكان بسبب الاكتظاظ.

كما يصعب التحكم في طبيعة الدروس الخصوصية المقدمة للتلاميذ على هذا الشكل، وهو ما قد يؤثر على قدرات الاستيعاب لدى التلاميذ دون الحديث عن المبالغ المالية التي يتعين على الآباء دفعها مقابل تلقي هذه الدروس، والتي تناهز 1500 دينار شهريا للتلميذ الواحد وفي المادة الواحدة، وقد تفوق ذلك في بعض الأحيان، تقول أسماء من بودواو التي ترتاد دروس الدعم في مادة العلوم في إحدى المدارس الخاصة ببودواو الخاصة بالدروس الخصوصية "نبدأ تلقي تلك الدروس من  الثامنة صباحا إلى السادسة مساءً بسعر 1000 دينار في مكان أشبه بالمحل التجاري، لا يتسع لأكثر من  شخصين، فإذا بنا نجد داخل القاعة أكثر من خمسين تلميذا، حيث نمر للجلوس في أماكننا بالتناوب ومن يحضر أولا يختار المكان الأفضل، ومن يصل متأخرا لا يجد له مكانا، لكن بمجرد وصول فترة المراجعة للبكالوريا حتى يقفز السعر إلى 2000 دينار في ظرف ثلاثة أيام فقط، وهو ما سمح للمعلمة بعد مدة قصيرة من تغيير ديكور وأثاث منزلها بأموال التلاميذ.

دروس خصوصية منزلية وبيوت تحول إلى قاعات دروس

لقد أصيب الكثير من المعلمين بأنفلونزا الدروس الخصوصية، بعد أن ارتدوا ثياب الجشع وأخذوا منحى تجاريا هدفهم في ذلك تحقيق الربح، حيث تقول خديجة من باش جراح أن أستاذة في اللغة الإنجليزية وزوجها أستاذ في مادة الرياضيات في الطور الثانوي، مارسوا هذا العمل الإضافي لعدة سنوات وتمكناا من اقتناء شقة مجاورة لشقتهم، وبعدها خصصوها لتقديم الدروس الخصوصية وتنشط في الخفاء بعيدا عن أعين أي رقابة.. إلى ذلك تقول أستاذة في التعليم الابتدائي في القبة بالعاصمة، أنها تقوم بتقديم دروس خصوصية لكل السنوات من السنة الأولى إلى الخامسة في مادة الفرنسية في منزلها الخاص مقابل 1500 دينار لساعتين فقط للتلاميذ داخل المجموعة، أما في حال أراد التلميذ تلقي الدروس انفراديا فيتضاعف السعر، فهذه الدروس أصبحت أسهل طريقة  في الوصول إلى جيوب التلاميذ، وفي هذا تقول سامية من رويبة أن أستاذة في مادة الفيزياء بالرغاية كانت تقدم دروسا خصوصية لجميع السنوات من المتوسط إلى الثانوي في شقة، وفي كل غرفة نجد أكثر من ستين تلميذا، وأمام الضغط الكبير الذي واجهته لجأت إلى إغراء التلاميذ بحصة انفرادية من السادسة إلى الثامنة صباحا، ومن الثامنة مساءً إلى العاشرة ليلا مقابل 2500 دينار للحصة الواحدة، لكن الدفع يكون مسبقا، أي قبل بداية الدروس، بل أكثر من ذلك، حيث كانت تطالبهم بمستحقات الشهر الثاني قبل نهاية الحصة الثالثة من الشهر الأول، ولا يختلف الأمر كثيرا مع الهادي وهو أستاذ ثانوي في مادة الرياضيات الذي يعرض دروسا خصوصية على تلاميذ في منازلهم الخاصة في الجزائر الوسطى وبوزريعة والقبة بأسعار تتراوح بين 1200 دينار و1600 دينار للحصة الواحدة التي تدوم ساعة و45 دقيقة فقط، فأضحي تحقيق مداخيل إضافية كل ما يشغل بال جل الأساتذة اليوم، وفي أي مكان، وهو حال معلمة في الأدب العربي ببومرداس كانت تقدم دروس الدعم، خاصة بالطور الثانوي في شرفة المنزل حفاظا على نظافة بيتها.

ولم يعد الأمر يتوقف عند الأساتذة فقط، بالنسبة للجشع ومحاولة الربح السريع، بل حتى طلبة ومتخرجين جدد أصبح الأمر يستهويهم، وحجتهم في ذلك عدم تمكنهم من دخول عالم الشغل عبر مسابقات التوظيف، وهو ما وقفنا عنده مع شاب من الجزائر العاصمة وهو متحصل على شهادة ماستر في المحاسبة، حيث يقوم بتقديم دروس خصوصية لطلبة هذه الشعبة بمبلغ 1500 دينار جزائري لمجموعة من الطلبة في منازلهم الخاصة، و6000 دينار للتعليم الانفرادي.

في حين تقول كريمة من قورصو أنها كانت تداوم على دروس خصوصية في مادة الاقتصاد لدى طالبة جامعية متحصلة على شهادة ليسانس في هذه الشعبة، وبعد فشلها في نيل شهادة الماجيستير لجأت إلى تقديم الدروس في قاعة الضيوف بمنزلها الخاص، لكن ابنها كان يسبب لهم إزعاجا كبيرا، فلم يستفيدوا شيئا من هذه الدروس.

وأمام هذه الفوضى العارمة التي تسببها الدروس الخصوصية، أردنا التقرب من الوزارة لمعرفة الإجراءات التي ستتخذها للحد من هذا الانتشار الكبير لهذه الدروس، وفي هذا الإطار يقول مفتش رئيس لدى الوزارة الوصية رفض الكشف عن اسمه أن وزارة التربية الوطنية وجهت مراسلة إلى مديري التربية عبر ولايات الوطن حول عملية التحسيس بالدروس الخصوصية، تأمر فيها مديري التربية باستدعاء المفتشين ورؤساء المؤسسات التعليمية لإسداء التعليمات وإعلام المدرسين على مستوى المؤسسات التربوية بضرورة تحسيس التلاميذ وأوليائهم حول ظاهرة الدروس الخصوصية، من خلال عقد ندوات بالمؤسسات التعليمية لإرشاد التلاميذ حول كيفية الاعتماد على أنفسهم وطرق المراجعة الصحيحة وكيفية تنظيم الوقت، وحث الأولياء على رفض الدروس الجماعية التي تلقى في الفضاءات غير اللائقة حفاظا على سلامة وأمن أطفالهم، خاصة وأن الدروس الخصوصية أصبحت تمس مصداقية المؤسسات التعليمية، باعتبارها الفضاء الذي يتلقى فيه التلميذ ليس المعارف فقط، وإنما الأخلاق والقيم الاجتماعية أيضا.
لقد أصبحت الدروس الخصوصية ترهق العائلات بأعباء ومصاريف إضافية، بما يتنافى مع مجانية التعليم المكرس في الدستور، فهي طريقة للكسب غير المرخص به، كونه يمثل جمعا بين وظيفتين يمنعه القانون، عندما يتعلق بممارستها في محلات عشوائية وفضاءات غير مناسبة كالمستودعات وغيرها.

في حين يقول الأستاذ عبد القادر فضيل، وهو مفتش عام ومستشار الوزارة ومدير التعليم الأساسي سابقا، أن المدرسة اليوم تخلت عن مسؤولياتها، لأن الدولة تركت الوزارة تعمل ما تشاء، والمفروض المدرسة هي من يقوم بدروس الدعم، ولأنها أضحت لا تقدمها فهي لا تستطيع محاربة ومتابعة هذه الدروس الفوضوية، والحل الوحيد المتوفر لدى الوزارة هو التوعية والتحسيس لإظهار خطورتها وتحسين وضعية المدرسة.

التعليقات(2)

  • 1
    Mohamed البلد 19 ديسمبر 2017
    هدي دروس إجتماعية وليست خصوصية
    معجب غير معجب 0
  • 2
    ام دنيا البلد 24 ديسمبر 2017
    دروس تجارية
    معجب غير معجب 0

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha