الاعلامي القدير

مدني عامر: الأحلام البسيطة والجميلة يحاصرها المستحيل في بلدي

واجهت بعد عودتي للجزائر صدا بدد كل حلم ووأد كل مبادرة او جهد ..


بحسرة كبيرة، يتحدث الاعلامي الكبير، ونجم التلفزيون الجزائري قبل أكثر من ربع قرن، مدني عامر، عن تجربة العودة إلى الجزائر من الغربة، وهو يحمل حلم خدمة الوطن، قبل أن يصدم بحائط صد سميك، وترسانة من القوانين والعقليات البالية، أجبرته على أن يعاود حساباته، ويعود أدراجه إلى الغربة، إلى أبو ظبي، حيث (الغربة)، ما زالت تفتح له ذراعيها.

في هذا اللقاء الشيق ل "الشروق العربي"، مع أحد قامات الاعلام الجزائري، نكتشف أيضا انتكاسة حلم إعلاميين جزائريين كبار، شاركوا مدني عامر رغبته في تقديم إضافة نوعية لبلدهم، فكان أن بقي أمثال  لخضر بريش ، مراد شبين ، كمال علواني ، عبد الكريم سكار، مسعود بن الربيع وغيرهم من الأسماء اللامعة، تمارس حلمها بعيدا في ظل سيطرة الرداءة، ما يعني كما يقول مدني عامر أن المستحيل أضحى في الوطن يطال ( الممكن ) ويحاصر الأحلام البسيطة والجميلة.

شكرا على كرم اللقاء أستاذ مدني عامر

سعيد جدا بلقاء قراء كنت واحدا منهم ذات عمر...  كنت فيه ألاحق الشروق عند كل فجر...أكاد أعرف لحظة الطباعة وموعد التوزيع بالدقيقة والساعة ولحظة وصولها إلى الأكشاك... ولأجلها كونت صداقات مع الباعة حتى تظل (لي) نسخة مضمونة قدر الاستطاعة...فقد كانت الشروق العربي (منتجا) رائجا سريع الانتشار والنفاذ...

 - عدتم إلى أرض الوطن وكانت لكم تجربة في إدارة قناة كـ بي سي، لكن سرعان ما استقلتم وعدتم إلى ديار الغربة، أحك لنا هذه القصة؟

*العودة هي تطلع وحلم أغلب المغتربين بطموح جامح لإعادة ربط الصلة بالحياة... ومعاودة الانخراط فيها بكل ما تظل تتيحه في الوطن من فرص للتشكل والتمثل لممكن يولد من (مستحيل) حال دون احلام جزائريين كثيرين في الداخل والخارج... ومازال على المستحيل يحيل ويعلق احلام أبناء أكثر من جيل...!

بهذا التطلع قررت حبل (غربتي) اقطع...وأعود بعض بقايا الحلم (ألم) اجمع...لعل بعض الذي أحمل بإضافة بدور او بجهد ذات يوم الناس والوطن ينفع...ولغربتي يشفع...!!! عدت أحمل حلمي وحلم اخوة اعزاء في التشكل في مشروع اعلامي ننهي به عمرا من التشتت في شتات متعدد الأهواء و(الهويات)... فبعد شيوع وانتشار اخبار فتح مجال السمعي البصري قررنا التشكل في فريق  للعمل على اطلاق قناة تلفزيونية محترفة... كان هدفها الأساس التواجد على الساحة بدور وحضور وإضافة مهنية للمشهد السائد ودخول حقل المنافسة مع الغير على الأجود والأفضل الذي يمكن ان يقدم لمشاهد كان وعيه مبكرا بدور الإعلام ووسائله وأدواته ورسائله... وكان الفريق يضم لخضر بريش، مراد شبين، كمال علواني، عبد الكريم سكار، مسعود بن الربيع، عبد القادر جريدي...وسعيد عولمي...ومفتوح لآخرين كثيرين كانوا يتطلعون لأن يكونوا جزءا منه... وسيرا على تجسيد المشروع سعيت لمقابلة وزيرين متعاقبين على قطاع الإعلام...

* لكن يبدو أنكم وجدتم صعوبات كبيرة؟

نعم .. كانت المفاجأة الأولى والكبرى صاعقة...وهي طلب ضرورة التشكل في الخارج وتقديم طلب اعتماد لمكتب (مراسل) اجنبي... قلت لأحدهما بأننا جئنا من الخارج لنتشكل في الداخل...وفق القانون الجزائري... نوظف وفق القانون...ندفع ضرائب ونحول رأس مال معرفي لتجربة وخبرة كبيرة نتقاسمها مع غيرنا... حينها نظر الي سعادته وقال مع الأسف هذا ليس غدا... أخبرت الإخوة الشركاء في الحلم وفي المشروع بما آل اليه الموضوع وكنا جميعا متفقين على عدم خوض (مغامرة) مجهولة غير محسوبة العواقب...تجنبا لمصير واجهته كثير من القنوات (المنشأة) التي أصبحت تعامل على أنها (خارجة) عن القانون... ورغم ذلك فإن المشروع الذي اعتقدنا به حد (الإيمان) مازال قائما إلى الآن...ولو في الأذهان...!!!

 في تلك الأثناء كان تواصل واتصال بعض الإخوة من قناة الخبر عارضين علي العمل معهم ومرافقتهم في عملية الإعداد لمرحلة الإطلاق...

وقد تم ذلك بالفعل ولمدة أربعة اشهر قبل ان أقدم استقالتي من قناة الخبر وأعود إلى التطلع من جديد إلى مشروع آخر...وهو مركز دولي للاستشارات الإعلامية والتدريب بالتعاون مع معهد عالمي في سنغافورة يدرب على أرقى مهارات الإعلام التلفزيوني المعاصر من إعداد وتقديم لنشرات الأخبار وإلى تقنيات إعداد التحقيقات الكبرى وإلى إدارة الحوار...وحتى إلى تدريب السياسيين على إدارة الأزمات اعلاميا وكيفيات التعاطي مع الأحداث وفق درجات سلم علمي وعملي...

*حتى هذا المشروع جوبه بالرفض على ما يبدو ؟

حركت المبادرة الجديدة..فقيل لي بأن الأمر يحتاج إلى جهة (وصية) تشرف على ضمان احترام المعايير والمواصفات...وبعد ان شرحت عناصر المشروع قيل لي بأن التعليم العالي هي الجهة المعنية... ذهبت، فاوضت،شرحت، فسرت.

في الأخير قيل لي بأن المشروع ليس لجامعة ولا لكلية...وان علي ان احمل المشروع إلى وزارة التكوين المهني... حينها أدركت بأن المستحيل اضحى في الوطن يطال (الممكن) ويحاصر الأحلام البسيطة والجميلة ولو رضي أهلها بالقليل.. وفي مواجهة هذا الصد الذي كان حد (الحد)... صد بدد كل حلم ووأد كل مبادرة او جهد... حملت عصا الترحال من جديد قاصداأبوظبي التي لم تقطع تواصلها معي طيلة سنوات استقالتي وعرضت علي من جديد الانخراط في مشروع تطوير كبير يطال علاماتها التجارية الـ27 وقنواتها التلفزيونية الـ13 وقنواتها الإذاعية الـ10 وصحيفتيها اليوميتين ومجلاتها الثلاث المتخصصة... فقبلت العرض بصفة مستشار تنفيذي ومدير للمشروع... وهكذا أعدت ربط الحلم بالغربة من جديد رغم انني سعيت لأن أزرع مشتلة في وطني من بقايا حلم...جميل...لكنه مرة (أخرى) اغتيل...!!!

ما الذي ينقص الجزائر من مراكز تكوين وتدريب لتخريج كفاءات إعلامية متميزة برأيكم؟


* سؤالكم الجميل هذا يحيلني على ندوة حضرتها في معهد الإعلام والاتصال في الذكرى الخمسين لإنشاء المدرسة العليا للصحافة... وكان موضوع ورشة شاركت فيها حول التكوين والتدريب... فكانت مداخلتي تحت عنوان...(ما جدوى تعليم علم لا يعمل به )...وقصدت بذلك إفراط المعاهد والجامعات في التكوين النظري التقليدي الذي مازال مغرقا في المبادئ والنظريات...حيث يجد الطالب نفسه وبعد التخرج يبحث عن فرص للتكوين العملي  في وقت كان يفترض فيه كما هو الحال مع طلبة معاهد الاعلام في بقية دول العالم التي تدرب على مختلف المهارات لكي يدخل الطالب معترك وساحات العمل بعد اول يوم من التخرج...لذلك فإن البلاد بحاجة إلى تطوير منظومات التكوين الجامعية... بإنشاء معاهد محترفة للتكوين الحقيقي وليس مجرد الخضوع لدورات تستنزف امكانيات المتخرجين من طرف (متطفلين)...لأن هذا القطاع ايضا طالته عقلية المقاولة ولذلك تطاول عليه الكثيرون... لأن العائد الكبير فعلا يقتضي المحاولة...

ما هي مشكلتنا تحديدا مع رأس المال المعرفي في قطاع الاعلام تحديدا؟ 

*... صدقا لأول مرة يسألني اعلامي من الجزائر عن رأس المال المعرفي في الاعلام..وليس عن راس المال (المادي) الاستثماري وعائداته...وهذا ينم عن فهم عميق لثروة المعرفة في عالم الاعلام.

وفي الحقيقة فإن رأس المال المعرفي هو وعاء الاستثمار الأول وصمام، بل وحزام الأمان،ويعني رأس المال المعرفي بلوغنا درجة الفهم والمعرفة بالنظم والقواعد والآليات بما يحتم الاحتكام إلى المقاييس والمعايير والمرجعيات التي تتيح العمل

والتطور كمنظومات تضمن التنافس وفق قواعد الاحتراف والاحترام... وفي غياب رأس المال المعرفي جاءت أغلب التجارب التي جرى خوضها من طرف الكثيرين في الجزائر في المجال السمعي البصري بالتحديد تفتقد إلى الملمح وإلى (الملح) المعرفي كعناصر في وعاء (الاستثمار) المعرفي غير القابل للنفاد.

كنتم إلى جانب كمال علواني، مراد شبين، زهية بن عروس، خديجة بن قنة، وغيرهم، عنوانا بارزا للزمن الجميل..حدثنا عن هذا الزمن وما الذي اختلف عن زمن اليوم؟

*مفاتيح جواب هذا السؤال تحيل على السؤالين السابقينوهما التكوين ورأس المال المعرفي...فقد كانت لذاك الجيل الجميل فرص عديدة للتكوين في معاهد ومؤسسات اعلامية عالمية كبرى في وقت  كانت فيه في التلفزيون إدارة كاملة تتكفل بالتكوين والتأهيل الذي استفاد منه اغلبنا، هذا بالإضافة إلى عوامل التحريض الذاتي ضمن بيئة كانت تسمح بالمنافسة وبتمييز (المتميز) ودعمه، لذلك اقبلنا على تلك الفرص فرقا وأفرادا (أخذنا) الفرص كاملة.. تنافسنا فيما بيننا...تنافسنا مع غيرنا...حتى اصبح لكل واحد منا اسم و(لمسة) وخصوصية في الفهم والمقاربة في تقنيات ومهارات التناول والمعالجة...في جماليات التقديم وإدارة الحوارات...

ولكن كل هذا ما كان ليتم لولا تفهم وتقبل، بل ورعاية بعض رجال المرحلة، حيث كان الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد مثلا مستمعا جيدا ومحاورا أنيقا في قضايا الاعلام مع الصحفيين حين كانوا يلتقونه قبل ان ينحاز أخيرا إلى المهنة  ويدعمها بالقوانين والمواثيق التي تحصنها... وتحول دون التجاوزات والمنزلقات في ظل المؤسسات والمرجعيات...

واما في التلفزيون فإنه وللتاريخ ايضا فإن الرجل الذي حرر الإرادات واطلق المبادرات وفعل الإدارات في التلفزيون هو عبد القادر براهيمي الذي يعتبر راعي وحامي الانفتاح والتغيير وضامن استمراريته إلى حين...!!!

وفي هذه البيئة اذا ولدت اسماء وتكرست أدوار ومهمات لكثير منا قبل ان تخطف الأحلام من أعيننا والكلمات من افواهنا لتتحول من قناديل ومشاعل... إلى سيوف وقنابل، وقتيل وقاتل...!!!

التعليقات(4)

  • 1
    الاسم البلد 08 نوفمبر 2017
    فعلا الجزائر بلدنا ونحبه ولكن يجبرنا بعض المسؤولين على اختيار طريق الغربة مرغمين والذي يرونه كفء يضعون له العراقيل على شاكلة : أعطيني شهادة الإقامة، عقد الميلاد، تذكرة الحافلة، فاتورة الكهرباء وحدها وفاتورة الغاز وحدها . . .
    معجب غير معجب 0
  • 2
    سي أكلي البلد 08 نوفمبر 2017
    ولماذا إضافة صفة القدير لاسمه؟ هل كل الاعلاميين الآخرين ما دونه مقدور عليهم؟ هل هو القدير الواحد بين كل هذه الآلاف المؤلفة من الإعلاميين؟ أرجو من كل الاعلاميين الشباب ألا يسقطوا في فخ تمجيد وتعظيم الاشخاص إعلاميين كانوا أو فنانين و مشهورين بصفة عامة إلا بما فيهم من صفات، والابتعاد عن الصفات المطلقة التي تضفي مسحة من التقديس المبالغ فيه وخارجة عن إطار المجاملة المعتادة، فعلى الإعلامي احترام عقله أولا، وهي أول خطوة لاحترام عقول قرائه وأذواقهم، وبدوري احترم كل الاعلاميين النزهاء بما في ذلك الاعلامي مدني عامر وفقه وفقكم الله لما فيه خير وصلاح ال
    معجب غير معجب 0
  • 3
    عبده الجزائر 18 نوفمبر 2017
    صبيحة مسعود
    القول صحيح أن مدني عامر من أمهر وأحسن الصحفيين الجزائرين . لكنه من انتاج الرداءة التي
    تتكلمون عنها وألصقتموها ظلما بقصد او بغير قصد بالمؤسسة الإعلامية الجزائرية ....؟
    معجب غير معجب 0
  • 4
    عبده عبد الجزائر 18 نوفمبر 2017
    هو وآخرين من احسن ماانجبت الرداءة التي الصقتموها ببلدي العظيم لك الله يا بلدي الجزائر المتنكرين لك كثر
    معجب غير معجب 0

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha