التحف القديمة Antiquités

الأرستقراطية المهربة من العصور الغابرة


تشم عطر كل الحضارات وأنت تتجول بين القطع النادرة للتحف القديمة، تأخذك بعيدا عبر بوابة الزمن، ترميك في أحضان عصور وأزمنة مرت عليها عدة قرون، داخل مساحة صغيرة في دكان وفي زاوية ضيقة، لكنها جمعت كل الأزمنة،عصور منفصلة في تسلسلها الزمني، لكنها تزاحم بضعها في هذا المكان، واقفة جنبا إلى جنب في ركن واحد، تتخاطب فيما بينها، كل بكبرياء عصره.

 عائلات رمتها في المزابل وتجار أرجعوا لها عزّها

تحولت تجارة التحف القديمة المنسية عبر الأجيال، إلى تجارة مربحة، سلعها أنيقة من أزمنة مضت، ومرت عليها الكثير من العصور، بلمسات بسيطة وخفيفة، استطاع أصحابها أن يرجعوا لها أناقتها، وأن يرمموا خدوش السقوط والتدحرج عبر كل السنوات وحتى القرون، فجعلوا منها أثاثا رفيعا ومربحا.

يتساءل الكثير من الناس من أين أتت هذه التحف والقطع، وكيف وصلت إلى هذه الدكاكين العتيقة؟ وإلى مثل هذه الأماكن التي تحاصرها الفوضى والغبار من كل جهة؟ والإجابة بسيطة، وهي أن الكثير من العائلات لم تدرك قيمتها الحضارية والتاريخية، فرمتها إلى المزابل، أو باعتها بأثمان زهيدة من أجل اللحاق بأثاث العصر الحديث، وجاء العارفون بقيمتها فأرجعوا لها مجدها الحضاري، ووضعوا لها أثمانا باهظة، وتحولت إلى تجارة مربحة لهم، وفخر وعز لزبائنها.

زبائنها مميزون...والأهم قيمتها المعنوية لا المادية

لا يتردد زبائن هذه التحف النادرة، في شراء صحن قطره 20 سم بعشرين ألف دينار جزائري، أو بعض الملاعق بثلاثين ألف دينار، وحتى مذياع من خشب بخمسين ألف دينار جزائري، أو تمثال لرجل روماني مفتول العضلات، بسبعين ألف دينار، أو مزهرية بستين ألف دينار، وسجادة بمائة ألف دينار، لذا يتساءل ويستغرب الكثير منا عن سبب غلائها، وهي مجرد أشياء طبيعية قابلة للخدش والتكسر في أية لحظة رغم أناقتها، وهنا السر، هي في الأصل مربوطة بتواريخ نقشت على صدر التاريخ الإنساني بأقلام من نور، وربما كانت ملكا لشخصيات عظمها التاريخ البشري لبطولاتها ومواقفها، فيقال لك مثلا هذا الصحن هو من مطبخ نابليون الفرنسي، وأنت تمرر أناملك على مائدة أنيقة فتظهر أنها من أثاث مطبخ لويس الثاني لفرنسا، تغازل صورة امرأة بلباسها المطرز بمختلف الألوان على الجدار، فتكتشف أنها لوحة من العصر العثماني، كانت معلقة على جدار في قصر الداي، وتمثال روماني بعضلات مفتولة، يحمل على ظهره صخرة، يجعلك تسبح بخيالك وأنت تنظر إليه، إلى كيفية تشييد حصون روما القديمة، أما المذياع الخشبي فهو من الحرب العالمية الأولى ونقل أحداثها، لذا فإن ثمنها عند زبائنها هي قيمتها التاريخية لا قيمتها المادية، وأكثر شيء مهم فيها هي القيمة المعنوية لهؤلاء الأشخاص في شرائها، فشتان بين من يأكل في صحن نابليون وبين من يأكل في صحن صيني على حد قولهم، وبين من يجلس على كرسي من مطبخ لويس الثاني مصنوع من الخشب الأصلي، وبين من هو جالس على كرسي من خشب حديث.

 المثقفون والفنانون أكثر زبائنها

  يعتبر أهل الفن والثقافة من عشاق هذه التحف النادرة، لأن أغلبهم يعرف قيمتها المعنوية، بغض النظر عن القيمة المادية، يشتريها البعض لا للاستعمال، لكن للزينة والمظهر الراقي الذي تعطيه للبيت، في حين يستعملها البعض الآخر في المناسبات الكبيرة، احتلت أغلب مساحات بيوتهم، من تماثيل وزرابي، آلات موسيقية، محافظ، لوحات زيتية، كراسي من خشب، وغيرها، بها عاشوا عدة عصور من خلالها، واستطاعوا أن يجمعوا كل الحضارات في منازلهم.

هي حكاية التحف النادرة، التي أصبح جمعها هواية الكثير من الناس، حتى وإن كانت غالية الثمن، لكن يكفي أنها ترسم أمامك أحد العصور القديمة، وتحاكي معك يوميات أشخاص من الزمن البعيد.

التعليقات(0)

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha