الكتاتيب القرآنية.. آخر حصون الأمة في مواجهة خطر الاندثار

رائحة "الصلصال" و"اللوحة" وبركة "الفلقة"


تصارع الكتاتيب القرآنية اليوم عندنا في الجزائر من أجل البقاء، بعد ما أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الزوال، وبالرغم من أنها موروث حضاري وإسلامي نفتخر به إلا أن الكثيرين باتوا ينادون بضرورة التخلي عنها وإلحاقها بالمدارس الإعدادية، لأنها أصبحت - كما يدعون - وكرا للمذهبية والتطرف، بل ومنبتا للإرهاب،عكس ما كانت تقدمه بالأمس من علماء دين ودنيا كانوا ومازالوا القلب النابض للأمة.

كان من الصعب الوقوف على وجود كتاتيب لتعليم القرآن في العاصمة تقوم على الحفظ والتلقين التقليدي المعمول به منذ القدم، فقد حلت محلها مدراس قرآنية أخرى تقوم على طرق جديدة وتسير وفق برامج حديثة مثل وضع أقسام نظامية من أجل تدريس مناهج الفقه وأحكام التجويد، عكس ما كانت عليه في الماضي، أين كان طالب العلم يلتزم بقواعد أخرى سواء في السلوك أو المنهج، لكن وبالرغم من كل الصعوبات التي وجدناها في البحث عن نماذج من الزمن الجميل لهذه المدارس، إلا أننا استطعنا أن نقف على نموذج منها وهي المدرسة القرآنية الإمام مالك بـ"رويبة".

أول ما يلتزم به طالب العلم في هذه الكتاتيب هو طريقة الجلوس، وهي موحدة بين كل الطلاب وتكون مباشرة على الأفرشة لا على الكراسي، ولعل الحكمة فيها أنها تساعد الطالب على الحركة بأريحية سواء في مد الأرجل أو الدوران في كل الاتجاهات، وتسمح له بأن يكون في وضعية جيدة لتلقي القرآن من الشيخ، وهو ما جاء في الحديث عن جبريل عليه السلام حين جاء للرسول عليه الصلاة والسلام يسأله "فأسند ركبتيه الى ركبتيه"، ومن هنا استخلصت طريقة جلوس طالب العلم.

القراءة باللوح ومميزاته

 تقوم القراءة في هذه الكتاتيب على اللوح، لأن لها مميزات عديدة تساعد طالب العلم على الحفظ الجيد، حيث يكون مرتبطا ارتباطا منهجيا بالنص والشيخ الذي يملي عليه، لذا نجد الكثير من الحواس تشارك في هذه العملية مثل حاستي السمع والبصر، وتكون الكتابة على لوح مصنوع من الخشب مثل خشب العرعار أو الصنوبر أو الزيتون للحصول على لوح جيد يقاوم لعدة سنوات، وهو غير مضر واقتصادي  يبقى مصاحبا للطالب حتى نهاية الحفظ، بالإضافة إلى هذا أن الحفظ بهذه الطريقة يبقي الطالب بعيدا عن المصحف فيتم حفظ كتاب الله عز وجل ولم تلمس يداه المصحف إطلاقا وهو الأصل في التعلم الذي يقوم على التلقي من أفواه الشيوخ،  بالإضافة إلى أنها طريقة تبعث على التنافس بين الطلاب.

حبر الكتابة وميزته الأساسية "الدواية"

 يصنع حبر "الدواية" من مواد طبيعية لا تحتوي على مواد كيميائية قد  تكون مضرة بالشخص أو بالطبيعة، وهو مستخلص من صوف الغنم، حيث يدق، ثم يضاف إليه القليل من الماء ليصبح على ما هو عليه وقابل  للكتابة، عكس ما نجده اليوم في مختلف مواد الكتابة التي قد تكون مضرة بالفرد أو الطبيعة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

 "لقلام" قلم مستخلص من الطبيعة

 هو قلم مصنوع من القصب وهو اقتصادي وصحي كذلك على غرار المواد الأخرى التي تستعمل في هذه الكتاتيب، فالطالب يلزمه قلم واحد فقط طيلة حفظه للقرآن في هذه المدارس أي مفيد وغير مكلف، ويختار من القصب الجيد.

 الصلصال... المادة المبيضة للوح

الصلصال هو أصل خلق الإنسان، وهو مادة مبيضة للوح يستعملها الطالب في هذه الكتاتيب من أجل المحو وإعادة الكتابة مرة أخرى، وسمي بالمبيض للوح، لأن بعد استعماله لا يترك أثرا للكتابة ويجعل اللوح صفحة بيضاء مرة أخرى، لا يتطلب الكثير أثناء التحضير ماعدا القليل منه مع إضافة الماء له ليصبح قابلا للاستعمال مباشرة، اكتشفه الإنسان وارتبط استعماله بحفظ القرآن، وهو صحي لا يضر البشرة ولا اليدين.

العقاب في هذه الكتاتيب أو ما يسمى "الفلقة"

 يسمى هذا العقاب عند العوام وفي هذه الكتاتيب بـ"الفلقة"، يتمثل في ضرب طالب العلم تحت القدمين من طرف الشيخ بطريقة خفيفة، ويدل هذا العقاب على حرص الشيخ على الآداب العامة التي يجب أن يلتزم بها الحافظ لكتاب الله، وليس كما يراه البعض على أنها وسيلة للترهيب، كما أن هذا العقاب لا يكون إلا في حالات نادرة عند التشويش أو التأخر عن مجالس العلم أو النطق فيها بكلام قبيح.

بالنظر إلى كل هذه  المواد، نجد أنها مذكورة في القرآن الكريم في آيات عديدة وهو الأصل في حفظ كتاب الله عز وجل وفي تلقي العلم من طرف الطلاب، ونهل العلم الشرعي بطريقة بسيطة وفعالة.

وكانت لنا زيارة لنموذج من هذه الكتاتيب وهي المدرسة القرآنية "الإمام مالك" بـ"رويبة"، حيث وقفنا على طريقة التحفيظ فيها وكذا الجو العام لها رفقة المسير والمدير لها الشيخ محمد مبدوعة الذي شرح لنا طريقة التعليم والفئات التي تدرس في هذه المدرسة: "من الأهداف السامية لهذه المدرسة هي خدمة القرآن الكريم، وهي مفتوحة على كل المجتمع على مراحل، بحيث تضم الصغار والكبار، الذكور والإناث، فيها أقسام تحضيرية خارجية وقسم داخلي للذكور، وباقي الأقسام الأخرى للذكور الإناث، نستقبل كذلك بعض الأيتام خلال عطلة الصيف، ويشرف على التأطير مجموعة من الأساتذة من كلا الجنسين، نسعى من خلال هذا المجهود المتواضع المشاركة في الحفاظ هذا الموروث الحضاري والاسلامي لهذا الوطن".

تسير هذه المدرسة القرآنية على منهج تقليدي في التحفيظ والتلقين، وعنه يضيف مدير المدرسة القرآنية: "للمدرسة منهجية تسير وفقها وهي أنها تحافظ على الموروث الحضاري، خاصة في كتابة القرآن وتعليمه، حيث مازلنا نعمل على تحفيظ كتاب الله عن طريق اللوح أي ما يسمى بالطريقة التقليدية، لكنها طريقة ممنهجة".

وعن دور هذه الكتاتيب في المجتمع الجزائري وما قدمته في الماضي وما تقدمه اليوم للجيل الجديد يقول الشيخ عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية علماء المسلمين:

"يجب أن نعلم أن الكتاتيب القرآنية هي جزء من الشخصية الوطنية، لأنه بدونها لا يمكن للمواطن أن يكون مواطنا بأتم معنى الكلمة، وتعلم القرآن يساعد على طلاقة اللسان وتوسيع العقل ويجعلنا على اتصال دائم بالله، نسعى إلى المحافظة عليها، لأن الاهتمام بها هو بمثابة العناية ببناء الشخصية الوطنية على أسس صحيحة"، بالرغم من بساطة التعليم فيها الذي يقوم على أدوات تقليدية، إلا أنها استطاعت أن تخرج علماء ومفكرين أناروا العالم بفكرهم، يضيف عبد الرزاق قسوم "على بساطتها وتقليديتها، إلا أنها عميقة في المنهج العلمي، والطفل الذي يلقن القرآن في سن مبكرة يكون مؤهلا لتلقي كل أنواع العلوم الأخرى دون صعوبة وهي من أهمية الكتاتيب، كما أن بعض مناهج التدريس في العالم أثبتت أن الطفل الذي يدرس في هذه الكتاتيب ينفتح على أمور عقلية وقواميس لغوية لا نجدها عند غيره، ومن هنا يكون هذا الطفل مؤهلا لأن يصبح نابغة، بل أن المناهج العلمية بينت أن طريقة جلوس الطالب في هذه الكتاتيب يكون أكثر استعدادا للتلقي مقارنة بمن يجلس على الكرسي".

التعليقات(3)

  • 1
    الاسم البلد 03 حويلية 2017
    سبحان الله كيف من مواد بسيطة ابتكرو لوحة يكتب عليها وتمحى اللوحات الحديثة لا زم بيضة بلاستيك انعكاس الضوء عليها مزعج الالواح الاقدم بالطبشور وبودرته الضارة المنتثرة المزعجة ولاتثبت عليهما الكتابة
    معجب غير معجب 0
  • 2
    إلياس البلد 03 حويلية 2017
    نتمنى ان تبقى طريقة التعليم هاته زرابي ولوحات ودواية وصلصال وان ألحقت بالمدارس ويكون المعلمين ثقة معروفين موظفين دائمين نتمنى يعلموا القرآن والتجويد فقط حتى لايدخلهم تلوث التراث
    معجب غير معجب 0
  • 3
    احمد الجزائر 04 حويلية 2017
    بارك الله فيكم على الموضوع
    ولكن اختاروا صورة للطالب يكتب باليمين
    معجب غير معجب 0

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha