في حلة البريستيج

السينية النحاسية تعود إلى سهرات الجزائريين


كانت الحاضر الأول في سهرات تدوم حتى الفجر، تنبعث من قلبها رائحة الزهر والبرتقال أو الليمون ورائحة مسك الليل، في استدارتها الأنيقة، وبحوافها المتمايلة، المنحوتة والمنقوشة بدقة لا متناهية، سلبت أريام العاصمة، متيجة، قسنطينة، وهران.. وربوع كثيرة من الوطن، فالتففن حولها، يروين الأحجيات ويداعبن البوقالة حتى يرتفع صحنها، وفي غفلة تسللت العصرنة من رواق وسط الدار، ومنه أيضا، رحلت السينية النحاسية، وفي جعبتها بركة البوقالة وحلاوة الصامصة والقنيدلات.

اختفت السينية النحاسية عن بيوت الجزائريين لسنوات، خفت بريق الأواني المبهر وانعكاساته على الزجاج والأثاث، وسقطت من أجندة ربات البيوت مهمة فنية كانت تشغلهن كل فترة قصيرة، حين كن ينفضن الغبار عن السينيات والأباريق ويلمعنها، بالملح والليمون، ومع كل هذا طوى الزمن الجميل صفحة مهمة في فصل رمضان، متى غابت السهرات النسوية في هذا الشهر الفضيل، ولأن من طبع العائلات الثرية شراء التراث، ها هي عادة السينية الرمضانية تعود في شكل بريستيج يختص به الأغنياء وبعد ماذا؟.

أواني صينية تنافس السينية

تلك الأواني اللامعة المصفوفة على واجهات محال الديكور الفخمة، مصدرها من الصين أو بلدان شرق آسيا، تستهوي الجزائريين من الأغنياء، وتجذب مغناطيسهم لأنها تمت إلى التراث الجزائري الذي هجروه بفعل العصرنة، أثمانها اللاسعة تطرح الإشكال، هل تستطيع هذه الأواني المقلدة الهشة، أن تنافس الأطقم التي كانت ترافق جيلين أو أكثر على التوالي، تصنعها يد النحاسين فتدقق في إخراجها تحفة فنية تبهر الناظرين، نزلنا إلى كل من سوق العرب بوسط البليدة، وتجولنا بعدها في أروقة القصبة حيث لازلت تسمع مطرقات النحاسين، تقع على الصفيحة بغضب المكابر رغم الهجر، فتجعل منها سينيات، تحت طلب العائلات الراقية، وحتى الجالية ممن يقضون رمضان في الغربة، التي أصبحت مستعدة اليوم لدفع الكثير من المال مقابل إحلال أجواء تراثية تليق بشهر رمضان، وبالضيوف الثقال، تقسينا عن أسعار الأواني النحاسية المصنوعة باليد فكانت المفاجأة أن تلك القطع التي استغنى عنها أغلبنا لصالح تجار الخردة، أصبحت تباع بالملايين، فالسينية النحاسية الصغيرة، بطقمها الكامل لا يمكن اقتنائها بأقل من ثلاثين ألف دينار، وكلما زاد حجمها وزادت القطع والإكسسوارات على سطحها ارتفعت أثمانها وقد تبلغ السبعين ألف دينار.

وفي حديثنا إلى بعض أصحاب هذه المحلات، أكدوا لنا أنّ لسينية وأوانيها، زبائنها من العائلات الميسورة التي تبحث عن القطع المميّزة، ويزداد الطلب عليها بحلول شهر رمضان، رغم ارتفاع أسعارها بفعل غلاء المادة الأولية وندرتها، ما يبيّن أنّ السينية النحاسية عادت على شكل بريستيج ينافس العصري من الأواني المعدنية التي أغرقت السوق الجزائرية، وجرت معها الكثير من الأواني وقطع الزينة، بعضها كان ملازما لها كـ"البساطات"، "الهيدورة" التي أصبحت تُباع بعد تلوينها بما يناهز العشرة آلاف دينار، وأخرى عصرية ومبتكرة، كحمالة المناديل الورقية.


وما شجّع إقبال العائلات الجزائرية على السينية النحاسية في هذا الشهر الفضيل، هو أنّ هذه القطع الفريدة، ورغم إدخال العديد من التعديلات والزخارف العصرية المبتكرة عليها، باتت صالحة للديكور أكثر منها للاستعمال، خاصة مع هيمنة الديكور المغربي والأندلسي على صالونات الجزائريين، فالإنفاق السخي على اقتنائها لم يعد كما كان، يدخل ضمن ميزانية الأواني الرمضانية المخصّصة للسهرة واللمات، فحسب، وإنما حضور سينية نحاسية، مع طقم شاي بكامل إكسسواراته، وربما بعض الأطباق النحاسية المخصّصة للحلويات، بقاعة الاستقبال، أصبح دليلا على رقي ورفعة ذوق آل ذلك البيت، فهنيئا لمن لا يزال يحتفظ بالسينية النحاسية في منزله.

التعليقات(0)

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha