من هنا مرّ التجار العرب والمسلمون

"الشروق العربي" ترسو فوق المدينة التي تمشي على الماء..


فينسيا البندقية أو المدينة العائمة.. من هنا مرّ التجار العرب... ملكة البحر الأدرياتيكي.. مدينة ماركو بولو التاجر والرحالة العالمي الشهير، مكتشف طريق الحرير نحو الصين والرجل الذي جلب المعكرونة للإيطاليين وبلاد الموسيقار أنطونيو فيفالدي وكازنوفا.. مدينة مئات الجسور المائية والتحف الفنية في الفنون والعلوم.. مجلة "الشروق العربي" زارت المدينة العائمة ونقلت للقراء مشاهد وآراء حية وحكايات عن سحر المدينة العائمة التي تحوّلت من مدينة الخطر عبر القرون إلى واحدة من أجمل مدن العالم.

البندقية.. هكذا سمّاها التجار العرب الأوائل الذين اشتقوا اسمها من اسم مأخوذ من لقب بونودوتشيا الدوقية الجميلة، هي أشهر المدن الإيطالية وواحدة من أشهر ست مدن أوروبية في القرون العشرة الماضية ووجهة سياحية عالمية.

كانت تسمى ملكة البحر الأدرياتيكي نتيجة تحكمها في التجارة البحرية العالمية قبل اكتشاف العالم الجديد غربا من قبل كولومبوس، والطريق إلى آسيا والشرق الأدنى شرقا عبر رأس الرجاء الصالح من قبل ابن ماجة وفاسكو دي غاما.

 كل مكان هنا يحكي جزءا من تاريخ البشرية، وكل زقاق فيها يؤرخ لأحداث تاريخية مهمة في الحرب كما في السلم، في العلوم كما في الفنون.

مجلة "الشروق العربي" رست فوق المدينة العائمة، مدينة الرحالة العالمي "ماركو بولو" الذي عرّف الغرب على الشرق من خلال رحلته إلى الصين التي جلب منها للإيطاليين المعكرونة التي صارت علامة مسجلة باسم إيطاليا والموسيقار العالمي أنطونيو فيفالدي.

تتكوّن المدينة العائمة من أزيد من مئة جزيرة وهي عاصمة إقليم فينتو، وتنقسم إلى ست بلديات رئيسة، حيث يقع مركز المدينة التاريخي في وسط البحيرة وهو أحد أكبر المراكز التاريخية في أوروبا وإيطاليا، ويقسّم هذا المركز التاريخي إلى 6 مناطق رئيسة هي سان ماركو ودورسودورو وكانيراجو وكاستيلو وسانتا كروتشه وسان باولو.

وتقع الأحياء على امتداد القناة العظمى وهي الطريق الرئيس في هذه المدينة، إذ يتفرّع من هذه القناة ما يقارب المئة وثماني وخمسين قناة صغيرة، كما أنّ هناك العديد من الجزر التي لا يقطنها الناس، مثل جزيرة بورانو وجزيرة مورانو وجزيرة تورشيللو وجزيرة باللسترينا وغيرها.

ونحن نشق طريقنا لمحنا مجموعة من الشابات اللواتي يتحدثن بلغة شامية، ومع الاقتراب أكثر عرفت أنهن من لبنان... إنها المرة الأولى التي تأتي فيها نيكول وزميلاتها إلى فينسيا تقول "لقد انبهرت لمَا شاهدته من تحف فنية وعمارة هندسية، ونصحت الجميع بزيارة المدينة العائمة".

تعج فينسيا بقصور النبلاء التي تطل على ساحات وشوارع وجداول وقنوات ومساكن قديمة لأغنى عائلات فينسيا في الفترة الذهبية للمدينة.

عليك نسيان الحافلة والسيارة وحتى سيارة الإسعاف وشاحنات الحماية المدنية، فالكل يركب القنوات المائية للحركة، والجندول أو الغوندولا هي الوسيلة الوحيدة للتنقل.

الغوندولا أو الجندول القارب الشهير الذي لا بديل عنه

لا يزيد طول الجندول أو الغوندولا عن أحد عشر مترا وبعرض طوله متر ونصف، ويتوارث من الأب إلى الابن، أما الآن فيتم منحه برخصة بعد تكوين يصل إلى سنوات.. سعر الجولة به يصل إلى ثمانين أورو لخمسة أشخاص.

نحن هنا في ميدان سان ماركو، إنه أشهر ساحات المدينة العائمة بكنيستها الشهيرة التي تؤرخ لأزمنة مضت من تاريخ المدينة.. تتوسط ساحة سان ماركو فينسيا وهي تحتوي على أهم وأشهر المطاعم والفنادق وبها متحف "دوكالي" أشهر متاحف فينسيا، وقد تم إخراج الكثير من الأفلام العالمية في هذا المكان.

ترتبط المدينة الساحرة بمهرجان عالمي يأتي في مقدمة كرنفالات إيطاليا والعالم الذي تحتضنه البندقية كل شهر فيفري الذي يصادف يوم الحب عند الأوروبيين.

أحد التجار المغاربة الذين التقيناهم هنا أطلق العنان للحديث عن جمال المدينة، وأعاد لنا الشعار الفرنسي الذي يقال على المدينة "رؤية فينسيا وممكن أن أموت فيما بعد".

تبقى الجسور الرابطة بين قنوات المدينة أشهر معالم المدينة ومنها جسر الأكاديمية وجسر الريالتو بمتاجره الأربعة والعشرين، وجسر ريالتو هو أحد أكثر الجسور شهرة في البندقية، وواحد من أفضل مناطق الجذب في البندقية، كما أنه أول الجسور الأربعة التي تمتد من القناة الكبرى.

وقد اهتم العديد من الفنانين والمهندسين المعماريين البارزين في الإقبال على تصميم جسر ريالتو الجديد، بما في ذلك الفنان مايكل أنجلو. بدأ بناء الجسر بواسطة أنطونيو دا بونتي في عام 1588م واكتمل بعد ثلاث سنوات.

جسر التنهدات، ويروي حكاية تنهيدات السجناء، وهم يمرون فوقه للعبور من قصر العدالة، الذي لا يفصله عن السجن سوى هذا الجسر الصغير، حيث كانوا يقتادون عبره بعد انقضاء المحاكمة.

الإسلام في البندقية... من هنا مرّ التجار المسلمون والعرب

كانت البُنْدُقِيَّة من قَبْل جمهورية مُسْتَقِلَّة ذات مَكانة كبرى في العصور الوسطى في أوروبا، وسَيْطَرَت لمُدَّة زمنية طويلة على أجزاء واسعة من سَواحل البَلْقان على البحر الأدرياتيكي، وكان لنشاطها  البحري التجاري دورا كبيرا في تلك السيطرة العسكرية التي حَوَّلَتْها إلى إمبراطورية بحرية كبرى حتى سَحَب العثمانيون بتوسعاتهم في البَلْقان البِساط من تحت أقدام البنادقة.

 وازداد دَورهم اضْمِحلالًا عقب توسع النشاط البحري الإسباني والبرتغالي، وما تَبِعه من اكتشافات جغرافية، وتَحَوُّل في طرائق التجارة البحرية، التي كانت عَصَب إمبراطورية البُنْدُقِيَّة البحرية.

ﺗﺒﻴﻦ كتب التاريخ أن ﻋﻼﻗﺎت اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻴﻴﻦ ﺑﺒﻌﺾ اﻟﻤﺪن الإيطالية وﻻ ﺳﻴﻤﺎ جنوه واﻟﺒﻨﺪﻗﻴﺔ اﺗﺴﻤﺖ ﺑﻜﻮﻧﻬﺎ ﻏﻴﺮ ﻣﺴﺘﻘﺮة ﻧﺘﻴﺠﺔ ﻟﻸﺣﺪاث اﻟﺠﺴﺎم اﻟﺘﻲ ﺗﺨﻠﻠﺖ اﻟﻘﺮن اﻟﺨﺎﻣﺲ ﻋﺸﺮ، وﺑﻤﺠﺮد ﺗﻮﻟﻲ اﻟﺴﻠﻄﺎن ﺳﻠﻴﻢ اﻷول ﻗﺎم ﺑﺘﺠﺪﻳﺪ اﻟﻤﻌﺎﻫﺪات ﻣﻊ اﻟﺒﻨﺪﻗﻴﺔ ﺳﻨﺔ 1517م،

وﻧﺼﺖ ﺑﻌﺾ ﺑﻨﻮد اﻟﻤﻌﺎﻫﺪة ﻋﻠﻰ:

- ﻣﻘﺎﺑﻠﺔ رﻋﺎﻳﺎ اﻟﺒﻨﺪﻗﻴﺔ ﻣﻦ اﻟﺠﻤﻴﻊ ﺑﺘﺮﺣﺎب وﻋﺪاﻟﺔ وﺳﻠﻮك اﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻣﻤﺘﺎز ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻤﻮاﻧﺊ اﻟﺘﺎﺑﻌﺔ ﻟﻠﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻴﺔ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ:

- ﺗﺠﻨﺐ إﻟﺤﺎق أي أذى أو ﺿﺮر أو ﻣﻀﺎﻳﻘﺔ ﻟﻠﺒﻨﺎدﻗﺔ.

- اﻟﺴﻤﺎح ﻟﻘﻨﺼﻞ اﻟﺒﻨﺪﻗﻴﺔ ﺑﻤﺰاوﻟﺔ اﻟﻨﺸﺎط اﻟﺘﺠﺎري.

- ﻳﺒﺎﺷﺮ اﻟﻘﻨﺼﻞ اﻟﺒﻨﺪﻗﻲ اﻟﺸﺆون اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ واﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻟﻤﻮاﻃﻨﻴﻪ.

- ﻋﺪم اﻋﺘﺮاض ﺳﻔﻦ اﻟﺒﻨﺪﻗﻴﺔ اﻟﺮاﺳﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻮاﻧﺊ اﻟﺘﺎﺑﻌﺔ ﻟﻠﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻴﺔ.

 ﻳﺘﻀﺢ ﻣﻦ ﺑﻨﻮد ﻫﺬﻩ اﻟﻤﻌﺎﻫﺪة ﻣﺪى اﻻﺳﺘﻔﺎدة اﻟﺘﻲ ﻋﺎدت ﻋﻠﻰ اﻟﺒﻨﺪﻗﻴﺔ، ﻓﺒﻔﻀﻠﻬﺎ أددتأإﺖ دورا ﺗﺠﺎرﻳﺎ مهما ﻓﻲ أوروﺑﺎ، واﻟﺬي ﺗﻤﺜﻞ ﺑﺎﻟﺨﺼﻮص ﻓﻲ إﻧﺸﺎء وﻛﺎﻻت ﺗﺠﺎرﻳﺔ اﻣﺘﺪت ﺣﺘﻰ ﺷﻤﺎل ﻏﺮب أوروﺑﺎ.


وصف ابن سعيد في كتاب الجغرافيا عمارة البندقية بقوله "عمارتها في البحر، وتخترق المراكب أكثرها، تتردد بين الدُّور، ومركب الإنسان على باب داره، وليس لهم مكان يتمشون فيه إلا الساباط الذي فيه سوق الصَّرْف، صنعوه لراحتهم إذا أرادوا التمشي".

قد نكون قد أنهينا جزءا من رحلتنا إلى المدينة التي يصعب حصرها في كلمات محدودة، لأن في كل جدار وكل قطعة من المدينة العائمة يحكي قصة تفرض علينا زيارة المدينة لمعرفتها... إلى اللقاء في مدينة أخرى.

التعليقات(0)

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha