الشروق العربي تزور المدينة القديمة بعنابة

مسجدا "أبو مروان" و"صالح باي" شاهدان على مدينة عمرها أكثر من 2000 سنة


عندما تصفحت تاريخ المدينة القديمة لولاية عنابة وجدته ثريا زاخرا بمعالم العمارة وفنون الهندسة،لكن المترجل بين الأزقة الضيقة للمدينة القديمة لا يجد أثرا لكل ذلك الزخم الثقافي والحضاري والتاريخي الذي عرفته المنطقة. الحواري الضيقة المتعرجة موحشة، أبوابها الخشبية الصامدة تبدو مهزومة بالية..لست أدري لما تذكرت مقولة مشهورة لوالدي حين يشده الحنين لدياره الأولى فيحل بها ويقول:"يا بلاد وين اُمواليك"بمعنى يا ديار أين هم أهلك؟؟

حتى نهاية القرن الحادي عشر الهجري، شملـت مدينة عنابة جزأين: المجمع الحكومي بشرقها، وعرفبجامع السلطان، وهو مسجد أبي مروان الشريف الحالي، ثم باقي المدينة، المشتمل جنـوبا على الفضاءات التجارية وقطاعات الأنشطة، وشمالا الأحياء السكنية.وعلى الخط الفاصل بين هاتين المجموعتين، بوسط المدينة تقريبا، قام المسجد الجامع الـذي ذكره أحمد بن قاسم البونّي في رجزه "الدُرة المصونة" تحت اسم"الجامع العتيق"، والذي من المحتمل أنه شيد على أسسه المسجد المركزي عام 1206هـ/1792م، أيام حكـم صالح باي.وهو مسجد "الباي"اليوم.

المتجول اليوم في المدينة القديمة "بلاص دارم" التي يفوق عمرها 2000 سنة والتي أنشئت على أنقاض مدينة هيبونبعد الفيضان الذي اجتاح الوادي المحاذي لكنيسة لالا بونة، حيث فر سكان عنابة الأصليون إلى بلاص دارم، وهي المدينة الجديدة التي حولهاالاحتلال الفرنسي إلى مكان لتجميع الأسلحة ليطلق عليهاهذا الإسم "بلاص دارم" وبقي لصيقا بها إلى يومنا هذا.المدينة التي حوت السلاح حوت أيضا شوارع وأزقة ضيقة سميت بأسماء أضرحة على غرار حومة سيدي بلعيد نسبة لضريح الشيخ سيدي بلعيد المتواجد اليوم بنهج جعطوط، وضريح أخيه سيدي عبد القادر بنهج كسيرات اللذين يعودان لآخر القرن العاشر والحادي عشر الهجريين، وكذا المصـلّى المشيد تكريما للشيخ سيدي خليف.. كما عرفت اقامات كبيرة وبعمران مميز، منهـا"دار بنـقِي"، "دار سلاّمـي- لعوابدية"، "دار خوجة"، "دار الباشا"، "دار السرايا"…وتشكل الأضرحة أهمية بالغة لدى سكان مدينة بلاص دارم وعددها سبع، منها سبعة رقود، سيدي أبو مروان الشريف وسيدي بلعيد...المدينة اليوم يلفها التهميش والإهمال، يكفي أن تترجل من ساحة الثورة إلى حي الصفصاف فالمدينة القديمة لتقف بعينيك على أكوام الهدم والنفايات ومعالم الإسمنت ظاهرة للعيان، ماعدا مسجدا "أبو مروان الشريف"، و"صالح باي"، وربما باب منزل هنا وأرضية زقاق هناك لم تطلها يد العبث وصمدوا في وجه الزمن.رغم بعض التشويهات ناهيك عن هدم بعض الأجزاء.

 جامع أبو مروان الشريف وهو أقدم مسجد بالمدينة، تم بناؤه سنة 1030م من طرف أبو الليث البوني، وقد أخذ تصميمه المعماري من الزخرفة التركية، وتعتبر المئذنة المربعة وأحادية الشرفة ذاتالتصميم الأندلسي الذي استمد أصوله من مسجد قرطبة.المسجد مربع الشكل مساحته 377 م، ينفتح على صحن أحاطت أصلا بجوانـبه الأربعة بلاطات لم يبق منها إلا واحدا، وكانت تعلو قاعة الصلاة قبتان في الأصل، هدمتـا وعوضتا بطابق علوي.

أما الصومعة، فقد شيدت بالزاوية الشمالية الغربية من الصحن، حيث يوجد ضريح أبي مروان الشريف، أين دفن بالقرب منه السلطان الحفصي، أبو زكرياء الأول سنة647 هـ 1249م قبل نقل رفاته نواحي قسنطينة.أما نمطها الهرمي، فهو نفس نمط صومعة أول مسجد بالقيـروان وكل سواري المسجد وتيجانها مجلوبة من موقع "هبـون"، ومن الراجح أن المسجد كان جزءا من الرباط الذي أسس بين نهاية القرن الثالث، وبداية القرن الـخامس الهجريين.

* جامع صالح باي: يقع هذا المسجد بمحاذاة ساحة 19 أوت، قاعة الصلاة به مستطيـلة تمسح 185م2، ويتميز عن غيره بتشييد طابق نصفي من الخشب مخصص للنساء، كما يعلو البلاط المركزي من بيت الصلاة قبة،أما الصومعة فجاءت في شكل اسطواني على النمط الشرقي، فتعلو الطرف الشمالي الشرقي، وهو مستقل عـن بيت الصلاة. وقد أُرخ لبنائه عام 1206هـ/1792م، انطلاقا من الكتابة الزخرفية الواردة أسفـل الصومعة.

التعليقات(0)

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha