محطات من حياة النجم الكروي

رياض محرز.. ثعلب بدم الأسد

وصف في فرنسا بـ"النّحيف" وألبسه الانجليز تاج الملوك

مثال للنجاح والإصرار ولا شيء يعلو على الثقة في النفس


من شوارع "سارسيل" المظلمة، وأزقتها المحفوفة بالمخاطر، رسم رياض محرز طريقه نحو النجاح في عالم المستديرة، بل وأصبح رقما مميزا فيها، تحول من لاعب لم تكن فيه الكثير من خصوصيات لاعب كرة قدم على رأي بعض المختصين في فرنسا، إلى أحسن لاعب في أقوى بطولة في العالم، وها هو اليوم ينافس على أحسن لاعب في العالم.

اللاعب الذي وهبته الكرة النور حتى من دون أضواء

قبل الحديث عما هو عليه الآن وجب الحديث عنه من أين أتى، فتى صغير ولد وتربى في أكثر الأحياء الفرنسية جرما، ويصنف من أخطر الأحياء التي تضم التجمعات والمهاجرين من كل بقاع العالم وجماعات الجريمة بكل أنواعها، سار جنبا إلى جنب مع الخوف الذي كان يهز كل أركان حي "سارسيل" الذي عرف فيه طفولته، وبالرغم من الخطر الدائم إلا أنه أصر على السير قدما نحو تحقيقه حلمه، وهو أن يصبح لاعبا محترفا ونجما ساطعا في عالم المستديرة، حتى وإن كان محيطه خاويا من الدعم ولا يشجع على هذا، إلا أنه تربى في كنف أب محب للكرة ومولع بها، بل كان رقما مميزا فيها، وهو ما جعله ينتبه إلى مهارات نجله وهو يداعب الكرة برجله اليسرى ورأى فيها ثنائية نجاح ومستقبل واعد لرياض محرز، والتي سحرت الناس فيما بعد واعتبرها الكثير حتى قبل شهرته أنها مفتاح نجاحه.

وفاة الأب الصدمة التي كانت مفتاح الإصرار على النجاح

لما كان  دوام الحال من المحال، فقد توفي محرز الأب وكانت ضربة موجعة لمحرز الابن الذي كان متعلقا به كثيرا، بل هو من علمه أبجديات المستديرة، ذهب وتركه في المحطات الأولى لعالم كرة القدم، البقاء فيه للماهر والشجاع وكان هو كذلك، تحدث عن فقدانه لأبيه التي كانت صدمة كبيرة في حياته، لكنها كانت في نفس الوقت الدعم لتحقيق حلم الأب في رؤيته لاعب كرة قدم محترف، وعبر عن هذا في قوله "لا أعلم ماذا حدث لي فعلا بعد وفاة والدي ولكن شعرت بأن الأمور أصبحت جدية وبأن الحياة قصيرة ويجب أن أتقدم وأعمل بجد حتى أصل لحلمي"، سنوات من بعدها انتقل إلى اللعب في الدرجة الخامسة للبطولة الفرنسية ثم إلى الفريق الفرنسي العريق "لوهافر"، ولعب للفريق الرديف وسجل وأبدع وصنع أحلام جمهور هذا النادي، ومن هنا كانت الانطلاقة إلى عالم النجوم والأضواء..

خانته البنية الجسدية وأنصفته ثقته بالنفس

لم يتوقف محرز على القول في كل مرة وبصوت مرتفع أنه سوف يصير لاعبا محترفا حين كان في فريق سارسيل الذي بقي فيه من سن 13 إلى 18، وهو ما أشار إليه المدير الرياضي لمركز التدريب بفرنسا "كوليبالي محمد"، في العديد من الحوارات التي بثتها العديد من الصحف العالمية التي اقتفت أثر محرز، وجاء في بعضها "لم يكن ذلك اللاعب الذي يملك قوة جسدية كبيرة ولا هو سريع في الميدان، بل نحيف ولكن لديه قدم يسارية كانت جاهزة وفعالة، كان مستواه التقني رفيع جدا ولم يكن الأحسن بين أفراد جيله، لأن البنية الجسدية خانته ولهذا كان من الصعب أن يفرض نفسه في المستوى العالي في تلك الفترة لهذه الاعتبارات، غير أن الشيء الذي كان يمتلكه وأهّله ليكون الأحسن هو ثقته بنفسه، حتى أن أصدقاءه في الملعب كثيرا ما رددوا على لسانه أنه سوفا يكون لاعبا في المستويات العليا وأنه سوف يكون محترفا وهو ما كان بالفعل بعد فترة من الزمن وانتقاله إلى البطولة الانجليزية".

أمسياته يقضيها خارج البيت حتى منتصف الليل..يداعب الكرة حتى من دون أضواء

لم يكن يكتفي بممارسة الكرة في مركز التكوين، بل كان يواصل العمل في القاعات وحتى خارج البيت في الشارع حتى من دون إنارة إلى وقت متأخر من الليل، هو ما أكده المربي والمدرب الأول له في فريق "سارسيل "نغونغولو كاي"، وكما كان لوفاة الأب الأثر الكبير على نفسيته فقد كان ذلك دفعا كبيرا له في النجاح من أجل تحقيق حلم أبيه، وغالبا ما كانت الكرة في يده في كل الأماكن ولا تفارقه، ولم يكن السهر مع الفتيات على غرار أقرانه من شيمه، بل كانت الكرة أهم شيء في حياته، على حد قول "نغونغولو كاي".

رسالة رئيس نادي مرسيليا يستهزئ فيها بقدرات رياض محرز: "آمل أن لا تفهموا رسالتي خطأ لكنني لست أبله"

بكثير من الاستهزاء و الاحتقار كتب رئيس نادي مرسيليا " فانسون لابرون" ردا موجعا إلى وكيل أعمال رياض محرز، وبكثير من السخرية استغرب أن يكون الطلب صريحا وحقيقيا في ضم اللاعب رياض محرز إلى ناديه، بل وأكد أنه لا يمكن استقدام لاعب يساوي الصفر في مشروعه الاحترافي الذي كان يريد بناءه مع مرسيليا، أكثر من هذا فقد وصفه بـ"النحيف"، ولا يمكن أن يكون رقما مميزا في خطته من أجل نيل الألقاب المحلية أو الدولية.

وجاء رد رياض محرز من أقوى بطولة في العالم

كان الرد  كذلك موجعا من رياض محرز، لكن ليس كتابيا أو على الورق أو حديث عبر وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، بل من فوق المستطيل الأخضر حين انتقل إلى الفريق اللندني "ليستر سيتي" وحتى وإن كان غير متحمس للفكرة أصلا، إلا أنه أبدع في موسم كان مثل حلم ليس له ولزملائه فقط، بل إلى مدينة صغيرة سطع النور فيها بنجوم صغار، لكنهم عمالقة أوقفوا "السيتي والأرسنال وتشلسي"، ورسموا بذلك خريطة جديدة لكرة القدم في البطولة الانجليزية وكان الجزائري "رياض محرز" مساهما في رسم حدود هذه  الخريطة، وصفع بذلك "الفناك الجزائري" رئيس مرسيليا من فوق ضباب لندن، وأوقعه في حرج حين سأله الإعلام الفرنسي "هل هذا هو النحيف حقا الذي حدثتنا عنه؟".

"ريتا" الجوهرة الهندية التي علمته الرؤية في ضباب لندن

إذا كانت محطة وفاة الأب محرز هي المحطة الأكثر ألما في حياة رياض، فإن زواجه هو المحطة الأكثر سعادة، بل ونقطة تحول في حياته الشخصية والرياضية، وكانت البريطانية الهندية الأصل بمثابة المعلمة التي صقلت لسانه وأصبح يجيد قواعد اللغة الانجليزية، اللغة التي فهم بها كلام الكرة المستديرة في ملاعب انجلترا وصنعت منه اللاعب الأول في "البرميليغ"، بل وفي فترة وجيزة حول إليه كل الأنظار وأصبح ضمن أحسن اللاعبين في الكرة المستديرة، وها هو اليوم ضمن قائمة المرشحين لنيل الكرة الذهبية كأحسن لاعب لكرة قدم.

الزواج نقطة تحول في حياتي وابنتي "عناية" طاقتي المعنوية

لم يخف رياض محرز في العديد من اللقاءات والحوارات الرياضية لمختلف الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة، أن زواجه من "ريتا" كان نقطة تحول في حياته، جاءت من بعدها ولادة "عناية" التي كانت بمثابة دافع للاستقرار والحضور الذهني في الميدان، وكانت معنوياتي دائما مرتفعة للعب بكل راحة على حد قوله.

هل "ريتا" لا تحب الأضواء كثيرا أم أن عقلية الجزائري فرضت نفسها؟

في الوقت التي تتفاخر الكثير من زوجات وصديقات نجوم الكرة في العالم بالتواجد رفقتهم في المباريات والحفلات الرسمية، فإنه في المقابل لم يكن هذا الأمر محبوبا عند زوجة رياض محرز "ريتا"، فلم تكن تحب الظهور كثيرا، وتحبذ البعد عن الأضواء في العديد من المرات، بل لم تحضر حفل تقديم جائزة أحسن لاعب في البطولة الانجليزية، وكان زوجها هو العريس، وهذا ما دفع بالكثير من وسائل الاعلام إلى طرح الكثير من التساؤلات عن هذا، فهل "ريتا" حقا لا تريد الظهور واحتلال الصفحات الأولى للجرائد وعدسات الكاميرات، أم أن عقلية رياض محرز الجزائرية لها تأثير في هذا؟

رياض وزوجته فرقهما الأصل وجمعتهما الهجرة

من الصدف أن رياض محرز وزوجته بالرغم من اختلافهما في الأصل، فهو جزائري تربى في فرنسا وهي بريطانية من أصول هندية، إلا أن الحالة الاجتماعية لهما كانت نقطة اشتراك بينهما، حيث هاجر أبوها إلى اوروبا بحثا عن عمل، حال والد رياض، فعاشا في بلدين ليس ببلدهما الأصلي، فتفرقا في الأصل واجتمعا في هجرة والديهما، وتربيا في موطن غير موطنهما، بريطانيا وفرنسا.

الشهرة أصبحت تزعج "ريتا" فقررا الانسحاب من الأماكن العامة

لم تألف زوجة رياض محرز التواجد ضمن كوكبة المعجبين بزوجها الذي أصبح لا يستطيع التحرك في الأسواق والأحياء العامة في بريطانيا، وطوابير عشاق رياض ينتظرون "سيلفي" رفقته، لذا قررا عدم النزول كثيرا إلى الشارع وأماكن التسوق لتجنب تدافع موجات المحبين لـ"فناك" الجزائر.

لا تحب الأضواء والكاميرات وتتفق كثيرا مع عائلة زوجها

إلى جانب كل هذه المعطيات في حياة رياض محرز التي سهلت له الوصول إلى قمة النجاح في عالم الكرة، يوجد كذلك محيط أهم وهو الأسرة، حيث يوجد توافق تام بين عائلة النجم محرز وزوجته، والكثير من التعليقات والتجاوب بين الطرفين على شبكات التواصل الاجتماعي تبرز هذا، حيث يعتبرونها أختهم، والزيارات العائلية التي تقوم بها أسرة رياض محرز إلى بريطانيا والتواجد معه رفقة زوجته خاصة الأختين، "دنيا وايناس" دليل على العلاقة الطيبة التي تجمع "ريتا" بعائلة محرز، وهو جانب خفي من نجاح محرز في عالم كرة القدم.

سيدة أعمال وعاشقة الماركات تركت كل هذا من أجله

كان تأثير زواج رياض محرز من "ريتا" كبيرا في حياتها، فقد هجرت كل ما تربت عليه من حبها للموضة والسيارات وعشق الماركات والأزياء الفاخرة، بل وكانت سيدة أعمال وهي في سن الثامنة عشر فقط، غير أنه بمجرد وقوعها في حب مدلل الجزائريين، تركت كل حياتها السابقة واختارت القرب من رياض والعيش على طريقة الجزائريين، وبقي السؤال مطروحا دائما هل هو من دعاها إلى ترك هذا والاعتناء بـ"عناية" وحياته الجديدة، حياة الشهرة والأضواء، أم هناك أمورا أخرى؟

   لم يبق الكثير في اختيار أحسن لاعب كرة في العالم، ورياض محرز من بين 23 لاعبا اختارتهم الفيفا للمنافسة على هذا التاج لحد الساعة، فهل يستطيع أن يلبس تاج التربع على عرش كرة القدم في العالم في حضرة ميسي ورونالدو وغيرهما، بعد ما لبس تاج الملوك في بريطانيا، فإن صح وتحقق هذا فقد لامس معجزة القرن في المستديرة.

التعليقات(1)

  • 1
    YOUCEF ALGER 04 جانفي 2017
    INCHA ALLAH RABO AL ALAMINE
    معجب غير معجب 0

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha