أحب المسرح فمثل مسرحية ضد فرنسا

الشهيد العربي بن مهيدي.. صاحب الإبتسامة التي أهانت جبروت فرنسا


اسم توأم للشجاعة، تربى في حضن أسرة أصولها مكارم الأخلاق وفروعها حب الوطن والتضحية من أجله، اعترف به العدو قبل الصديق، لا نوفه حقه حتى ولو طالت بنا الكلمات في المدح وركبنا كل أمواج عبارات التقدير والاحترام، ويكفيه فخرا أن جنرالات فرسنا رفعوا له القبعة وهو مبتسم في وجوههم، فقد نكلوا به ولم ينحن لهم، ذهب وترك ابتسامته مشرقة على صفحات تاريخ الثورة الجزائرية ـ رحمه الله.

كان مسقط الرأس بـ"عين مليلة" سنة 1923م، تابع دراسته الابتدائية في "باتنة"، انتقل إليها بعد ما درس السنة الأولى بمسقط رأسه، ثم عاد إليها بعد ما نال شهادة التعليم الابتدائي، ومنها إلى بسكرة رفقة عائلته، رحل إلى "قسنطينة" لمتابعة دراسته عندما نال القبول في قسم الإعدادي، وكان أول نشاط له كشاب محب لوطنه ومدافع عن هويته انضمامه إلى الكشافة الإسلامية الجزائرية بـ"بسكرة"، ومنها أصبح قائدا لفريق الفتيان، بدأ حينها يصقل شخصية ذات همة وعزم، كان لها شأن كبير فيما بعد، بل من الأسماء التي أعيت المستعمر الفرنسي وبقي اسمه راسخا إلى يومنا هذا حين تذكر الثورة التحريرية.

 كان شابا متزن الشخصية، جمع بين الواجبات الدينية والدنيوية، محب لوطنه، أحب الموسيقى الأصيلة الوطنية وكرة القدم، أحب كذلك مشاهدة الأفلام الثورية التي تروي حكايات وسيناريوهات الدفاع عن الأوطان وفضح  المستعمر أيا كان نوعه، أكثر من هذا فقد أحب التمثيل وكان بارعا فيه، بل مثل دورا في مسرحية من المسرحيات التي ترجمها الأديب المصري "لطفي المنفلوطي" إلى العربية وهي "في سبيل التاج"، وكان مضمونها الدعوة إلى الوقوف ضد المستعمر والوعي الوطني، عرضت في الكثير من الولايات في تلك الفترة، لكن فرنسا فهمت رسالتها فمنعتها من العرض مجددا في ولايات أخرى، كل هذه الميولات جعلت منه شخصية عميقة  ملتزمة بكل واجب ديني ووطني، كان شابا بعيدا كل البعد عن ما يشينه كما كتب عنه في جريدة المجاهد من سنة 1957.

 انضم بعدها إلى حزب الشعب كأول عمل سياسي قام به سنة 1942 وهذا ترجمة لحبه للعمل السياسي والوطني، كان من نتائجه أن اعتقل في 8 ماي 1945 وعذب واستنطق لمدة ثلاثة أسابيع من طرف المستعمر، لكن هذا لم يمنعه من أن يواصل عمله السياسي، بل زاده شحنة أكبر ودفعه ليكون في الصفوف الأولى المناهضة للمستعمر الفرنسي، بل أصبح من الأوائل الذين انضموا إلى صفوف المنظمة الخاصة سنة 1947، سنتين من بعد ولقوة شخصيته وامتيازه أصبح قائد الجناح العسكري بـ"سطيف"، وكذلك نائبا لرئيس أركان التنظيم السري على مستوى الشرق الجزائري الذي كان يتزعمه "محمد بوضياف" رحمه الله.

توالت مهامه طيلة سنوات ما قبل اندلاع الثورة حتى أصبح من بين الأعضاء البارزين عند تأسيس اللجنة الثورية للوحدة والعمل سنة 1954 ومنها عضوا في مجموعة 22 التاريخية، وهي شهادة على الحنكة والشجاعة التي كان يتصف بهما.

عند اندلاع الثورة زادت همته ونشاطه، من أجل تزويد الثورة بكل ما هو مفيد من أجل إنجاحها، ودعا كل الجزائريين إلى المشاركة فيها وقال قولته المشهورة حينها "القوا بالثورة للشارع سيحتضنها الشعب"، كما عمل بجد على إنجاح مؤتمر الصومام سنة 1956، وكان حينها أول قائد للمنطقة الخامسة بوهران، وعين كذلك عضوا للقيادة العليا للثورة كمنسق في لجنة التنفيذ والتنسيق.

ألقي عليه القبض سنة 1957 ومورست عليه كل انواع التعذيب من أجل ولو كلمة واحدة أو اعتراف منه يفيدهم في كشف سرية الثورة، حتى وصل الحال بهم إلى سلخ جلد وجهه، لكنهم لم يستطيعوا أن يطفئوا نور وجهه وابتسامته، ومات شهيدا مبتسما وساخرا من جنرالات فرنسا، وقال حينها الجينرال "بيجار": "لو أن لي ثلة من أمثال العربي بن مهيدي لفتحت العالم".

شهادة في حقه كتبت في جريدة المجاهد سنة 1957

"شاب مؤمن، بر وتقي، مخلص لدينه ولوطنه، بعيد كل البعد عن كل ما يشينه. كان من أقطاب الوطنية ويمتاز بصفات إنسانية قليلة الوجود في شباب العصر، فهو من المتدينين الذين لا يتأخرون عن أداء واجباتهم الدينية، لا يفكر في شيء أكثر مما يفكر في مصير بلاده الجزائر، له روح قوية في التنظيم وحسن المعاملة مع الخلق ترفعه إلى درجة الزعماء الممتازين. رجل دوخ وأرهق الاستعمار الفرنسي بنضاله وجهاده".

 نقف خجلا في ذكرى مسيرة وشجاعة رجل فذ مثال للتضحية والوفاء، لأننا لن نوفه حقه مهما اجتهدنا، لكن يكفيه فخرا أنه شهيد متبسم ابتسامة عز وكرامة أهانت جبروت فرنسا.

التعليقات(2)

  • 1
    جزايري جزاير 06 جانفي 2017
    la france algerienne
    معجب غير معجب 0
  • 2
    الاسم البلد 13 جانفي 2017
    paris algerienne
    معجب غير معجب 0

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha