الشيخ مصطفى إدير

الشعبي الأصيل هو رسالة للتربية وليس لجمع المال والرقص


اسم كان شاهدا على زمن جميل مضى، يحن له اليوم كالكثير منا، زمن كان الشعبي الأصيل محطة للأخلاق والتربية، حمل رواده على عاتقهم الدعوة إلى جميل الأفعال والخصال الحميدة من خلال قصائد طويلة، تبدأ بالبسملة وتنتهي بالحمد والشكر والصلاة على خير الأنام، وها هو اليوم يتقلب بين التحديث والتجديد، اللذان قدما لنا فنا يتأرجح بين الرقص تارة وبين التهويل تارة أخرى، حاد بذلك عن أصله في الكثير من الخصوصيات التي قدمتها له المدرسة القديمة في هذا الفن.

مسيرة فينة  ظهرت ملامحها بالسير على خطى السابقين لهذا الفن والإعجاب بهم "كنت مولعا بالاستماع إلى الشيخ "الحاج مريزق"، أما من قدم لي الدعم المعنوي وساعدني من أجل الخوض في عالم الفن الأصيل هو "سعيداني بوعلام"، بالإضافة إلى حبي "الهاشمي قروابي" رحمهم الله جميعا، وهو من أشعل بداخلي حب هذا الفن، وهي الوجوه التي تأثرت بها في بداياتي الأولى لولوج عالم الفن الشعبي".

 مشوار فن بدأ التأريخ له منذ السنوات الأولى بعد الاستقلال بداية من سنة 1965 "كان أول عرس عائلي نشطته سنة 1970، ثم تلته العديد من الحفلات في تلك الفترة في أيام العطل ليومي السبت والأحد لمدة أربع سنوات متتالية، بالإضافة إلى تنشيط العديد من الحفلات في المركبات السياحية على غرار "زرالدا" و"سيدي فرج"، كنت محبوبا جدا، لأنه صراحة في تلك الفترة الأسرة الجزائرية كانت ذواقة لهذا الفن".

من الثكنة وضعت أول لبنة في فن الشعبي وهدوء الصحراء مدّني بالإيحاء

كانت سنة 1971 شاهدة على كتابتي لأول أغنية في الفن الشعبي الأصيل، تحت عنوان "الرايحين" خصصتها للمهاجرين العائدين إلى أوطانهم، كان هذا في "عين الصفراء"، عدت بعدها إلى "تمنراست" سنة 1973 للعمل في شركة، وهو الجو الذي ساعدني على كتابة القصائد والكلمات، لأنه جو هادئ ومريح، وكتبت أغنيتين حققتا شهرة واسعة وهما "من يحب النوار1973"، و"مكواك 1974".

لن أنسى قبلة "بوجمعة العنقيس" على جبيني بعد "ليحب النوار"

تمر الأيام بذكرياتها في الشعبي الأصيل، ولعل منها ما يبقى مخلدا في الأذهان، لأنها تأتي ممن لهم شأن كبير في هذا الفن، يراوده الحنين إليها فيضيف: "جاء الاعتراف من الشيخ "بوجمعة العنقيس" رحمه الله، بعد المسابقة التي أجريناها ثلاث مرات متتالية، نلت من خلالها المرتبة الثانية بالرغم من أنني كنت الأفضل بعد ما ختمت بـ" ليحب النوار" التي أطربت الكثير وهزت مشاعر الحاضرين، قدم لنا "العنقيس" الشهادات، وأذكر جيدا عندما وصل إليّ قبل جبيني وقال لي "بارك الله، أنت فخر للشعبي وحنجرة استثنائية"، وهي من الشهادات التي اعتز بها إلى حد الساعة".

لا مقارنة بين الأصيل القديم وما يقدم اليوم على أنه شعبي

بحسرة كبيرة عبر الشيخ "مصطفى إدير " على حال ما وصل إليه الشعبي اليو ، رافضا في نفس الوقت مقارنة الشعبي الأصيل في سنوات العز لما كان قائده "دحمان الحراشي" و"امحمد العنقى " و" الهاشمي قروابي" وغيرهم، وما يقدمه الشباب اليوم ويدعون على أنه من الشعبي، فلا وجود أصلا لمجال المقارنة بينهما من حيث الأداء والتقديم والبداية والنهاية، ففي الماضي كان مربيا قبل أن يكون فنا لهز البطون والرقص،على حد تعبيره.

 ترجمت للواقع وللأحداث التي مر بها هذا الفنان، وهي نقل  لأحاسيس صادقة بعيدة عن الخيال في قصائده وكلماته "أولا، أنا لا أكتب الخيال، بل أترجم كل ما هو واقعي سواء قصص حدثت معي أو قصت لي من طرف أشخاص آخرين، وأنا أضعها في هذه القوالب الأصيلة العفيفة، وهي في مجملها وقائع اجتماعية بعيدة عن الوهم أو التصنع".

ليس من الشعبي من يقوم بتأديته بكلمات غربية

رفض "مصطفى إدير" الأسلوب الجديد الذي اتخذه الكثير من الشباب في تأدية فن الشعبي "والله استغرب حينما أشاهد  الكثير من شبابنا اليوم يأتي بقصيدة طويلة خاصة بالشعبي ويدخل عليها الموسيقى الحديثة، وكذلك من يقوم بتأدية كلام الشعبي الأصيل بكلام غربي، وهذا أمر غير مسموح بالنسبة لي، وهو تشويه للأغنية الشعبية الأصيلة التي بقيت إلى حد الساعة مدرسة للتربية والأخلاق قبل كل شيء، لذا يجب على شباب اليوم الحفاظ على هذا الإرث الثقافي الذي أفنى الكثير من الشيوخ حياتهم من أجل الحفاظ عليه وخدمته".

"لقد اتخذ الكثير من الشباب اليوم هذا الفن تجارة وسلعة من أجل كسب المال لا غير وللرقص كذلك، وأنا أقول لمن يعمل من أجل هذا أن الشعبي الأصيل جعل لترقيص العقول بالتربية الحسنة والأخلاق وليس من أجل ترقيص الأجساد وجمع المال، بل وأطلب منهم الحفاظ على هذا التراث الثقافي كما حافظ عليه الذين سبقوهم إليهم، ويجب على من يؤدي هذا الفن أن يكون مثقفا ومتخلقا وذا شخصية تعكس ما يقدمه للجمهور المستمع له".

الشعبي هو فن نوعي وليس كمي

بالرغم من أنه لا يملك إلا ثلاثة أقراص في سوق الشعبي، إلا أنها كانت محطات خالدة في حياته الفنية، فهو يرى أن الفن نوع وليس كما "الشعبي الأصيل يجب أن يكون ذا نوعية، ولا أركز على الكم، لدي ستين أغنية وأربع قصائد  طويلة، ولدي "سينوناريو" كذلك لم يشأ له القدر هو كذلك أن يرى الضوء إلى حد اليوم".

عن الحالة التي وصل إليه الشعبي الأصيل وما يراه الشيخ "مصطفى إدير" الدواء الشافي من أجل إرجاع عافية المدرسة الأصيلة، يقول "يجب الاهتمام بكل من يريد كتابات النصوص والقصائد التي تتماشى مع الخطوط العريضة للمدرسة القديمة، والتي لا تتعارض مع كلماتها وأسلوبها المعروفة مند زمن طويل، وكذا التشجيع للشباب اليوم المولعين بهذا الفن من طرف القائمين على الثقافة في الجزائر".

 زيارة خاصة كانت لشيخ من شيوخ الشعبي والمدرسة القديمة "مصطفى إدير" الذي عاش مع رواد هذا الفن الأصيل، هذا الأخير الذي أصبح اليوم يتخبط  بين العشوائية والتطفل والتحريف في الكثير من أسالبيه وأدائه، وكذا من حيث الإلقاء والكلمات. وكان ختام زيارتنا هذه عبارة عن تقديم نصيحة لشباب اليوم الذي يود أن يخوض غمار الشعبي الأصح وليس ما نراه اليوم، فيجب على من يريد النهل منه أن ينهل من مدارس  مشايخه الذين سبقوهم إليه، وهذا بتقفي أثرهم فيه قبل الدخول إلى عالمه، كما يجب المحافظة على أسسه التي قام عليها مند زمن بعيد دون التكلف والتغيير الذي قد يشوه جمالية هذا الفن المربي الهادف على حد تعبير هذا الإسم المهرب من الزمان الجميل لفن الأخلاق قبل الرقص والمال.

التعليقات(0)

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha