مريم فكاي.. سيدة المسامعي وجوهرة زمن الأبيض والأسود


عند ذكر الكثير من أسماء ذاكرة الفن الشعبي، وجب علينا التوقف عند اسم نسوي كان محطة وإضافة كبيرة للفن في سنوات الأبيض والأسود، هي "مريم فكاي" التي قدمت إلى نوع "المسامعي" نوعا جديدا في طابع الأغنية الشعبية في تلك الحقبة من الزمن، وهو الإيقاع الخفيف الراقص الذي يتماشي مع طبوع الأفراح، تكاتفت مع العديد من الوجوه الفنية من جنسها، خلدت بذلك اسمها في هذا العالم الذي لم يبق حكرا على الذكور.

تستدرجنا الذاكرة عبر هذه الصفحات للعودة إلى ماضي وجوه ظهرت وأفلت قبل الاستقلال، إلا أنها أسست وعبّدت الطريق أمام الكثير ممن جاء من بعدهم في الفنون الشعبية بكل أنواعها، كانت ومازالت أسماء لامعة بالرغم من مرور الكثير من العقود عليها، لأنها بكل بساطة اجتهدت في تقديم السهل الممتنع من دون تكلف.

ولدت "مريم فكاي" سنة 1889م بالجزائر العاصمة ويمتد أصلها إلى مدينة "بسكرة"، كان ولوجها إلى تقديم هذا الطابع رفقة معلمتها "يامنة" أو بالأحرى شيختها التي وضعت معها أول لبناتها في هذا العالم، وبعد فترة من الزمن استطاعت أن تقدم الجديد للعائلة الجزائرية عبر الحفلات العائلية التي كانت تقام وهي الإيقاعات الراقصة في هذا النوع من الأغنية الشعبية أو النوع المسامعي في تلك الفترة، وهذا حين عملت مع القامة "محي الدين بشطارزي" ابتداء من سنة 1928م.

 انتقلت من مرحلة إلى مرحلة في هذا العالم، الذي ولجته إلى جانب العديد من أقرانها في تلك الفترة على غرار" فطوم البليدية"، "سلطانة داوود" وغيرهما، ولقد أثمر عملها إلى جانب "محي الدين بشطارزي" أن التقت بالعديد من رواد الشعبي وشيوخه على غرار "محمد العنقى" رحمه الله، وهو ما سمح لها بأن تتقن كل ما قدمته في قوالب عائلية راقصة في الحفلات الأسرية التي كانت تنشطها في تلك الحقبة من الزمن، وبقيت صورتها بالأبيض والأسود عالقة في الأذهان إلى حد الساعة.

أتقنت كل الطبوع وغنت كل الألوان من دون استثناء، وكأنها لا تملك حنجرة واحدة فقط، استطاعت من خلالها أن تلبي كل طلبات الأسرة الجزائرية في حفلاتها، فقد أطربت إلى جانب "المسامعي"، "العروبي"، وأبدعت في "الحوزي"، وتفننت في "النوبات الأندلسية"، فكانت بحق مدرسة قدمت من كل جميل لونا في كل أعمالها، بل كانت معلمة تعلمت على يدها الكثيرات ممن أردن أن يكن جواهر في هذا الطابع، وحضرن إلى جانبها في عديد الروائع في هذا القالب، التي كانت ومازالت خالدة إلى حد الساعة وتنافس الألوان وهي تتزين باللونين الأبيض والأسود، ومن زمن قد أفل مند عدة عقود.

 جلسات أسرية بقيت إلى حد اليوم خالدة، قدمت فيها الكثير من الألوان، "من رانا جيناك"، "القلب بات سالي"، "من هوى روحي وراحتي"، إلى "يا قامة غصن البان"، هي أعمال لوجه أنثوي وإن حضر في زمن الأبيض والأسود، إلا أنه قدم الجميل والسهل الممتنع، وعرف ما تحتاجه الأسرة الجزائرية في فترة ما قبل الاستقلال.

علقت "مريم فكاي" صورتها باللباس التقليدي العاصمي مصحوبة بفرقتها النسوية على جدران  من دون ألوان، وبقيت منقوشة في العديد من الأذهان، أطربت الأذان بأشجان صافية من كل الطبوع، لم تمحها السنين التي مرت عليها إلى حد اليوم، بل حافظت على جمالها بين  كل أنواع الفن، وعند الكثير من الأشخاص الذين يحبون العذب الصافي، حتى وإن رحلت "فكاي" قبيل الاستقلال في جويلية 1961م، تاركت وراءها جلسات ممضاة بقلم من زمن جميل مضى.  

التعليقات(0)

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha