الطاهر جاووت.. أوّل ضحايا قائمة الدم من حملة القرطاس والقلم


لم تستطع السنون وإن مرّت متتابعة، أن تمحوا من ذاكرة الثقافة الجزائرية اسما كان الرقم واحد الذي اختارته يد الغدر لتفتح قائمة مسيرتها الدموية من حملة القرطاس والقلم، مدركة أن ضرب هذا الأصل سوف يكون سقوطه مدوّيا تهتز له كل الفروع، ولأن فكره كان ينبئ على أن ريحا عاتية سوف تحل بالجزائر الآمنة، فدعا إلى الاستعداد لها، فكان في فوهة نار الغدر التي أردته قتيلا سنة 1993.

لقد كان من نتائج انتشار الظلام الذي مرت به الجزائر بعد أن غربت شمس السلام بها، أن دب الخوف والفزع، والإجرام بعد سنين طويلة من الأمان والاستقرار، وكان من الواجب أن يدفع الكثير من أبناء هذا البلد ثمن الفكر والاجتهاد من أجل زرع شعاع الأمل والوقوف أمام الفكر المتطرف، وهو ما لا يتماشى مع سياسة الغدر والترهيب التي انتهجتها أدمغة دامية جعلت السيف الحد الفاصل لمن يقف أمامها، حتى وإن كانت على شطط، وكان "الطاهر جاووت" الأول في القائمة ليليه من بعد 70 اسما من حملة القلم والقرطاس من مثقفين وصحفيين نضجت في فترة لم يكن لها الحظ لأن تجهر بفكرها، فقد أوئدت في مهدها وسقطت أوراقها بعد ربيع لم يكتمل.

 كانت قرية "أولخو" مسقط رأسه سنة 1953 في جزائر تحت وطأة المستعمر الفرنسي، عانى وكسائر كل الجزائريين الفقر والجوع والحرمان، ولعل الأكثر ضيقا من كل هذا  كله هو أنك أينما تولي وجهك في تلك الفترة لا تجد باب علم تطرقه، فقد حرم الفقراء من هذا الحق في تلك الفترة عكس أبناء الأغنياء منهم، من هنا بدأ تحديه لهذه الحياة التي علّمته أن بعد الضيق يأتي الفرج لا محالة، لقد آمن بأن لا مفر من حب الأهل والبلد، وكان يرى أن من حاد عنها فقد خسر، ومن كان أصله وعشيرته دائما في قلبه فله الشأن العظيم بين أهل بلده، أفكار تربى عليها ومات من أجلها، فقد كان المثقف المتواضع الذي لم يغفله علمه وثقافته وأضواء المدن عن التمسك أكثر بوطنه، وكذا حيه الأصلي وقريته الصغيرة التي ولد فيها حتى وإن كانت في منعزل في نقطة بعيدة في القبائل الكبرى.

  كان طالبا في كلية الجزائر قسم علم الرياضيات ومنها نال شهادة الليسانس، وفي الوقت نفسه كان صوتا بداخله يحدثه وهو الشعر والكتابة، فسالت ملكته الأدبية والشعرية غزيرة، فأصدر الكثير من القصائد في سنوات السبعينيات تزيّنت بها الكثير من المجلات المغاربية مثل "خوماس" الجزائرية ومجلة "ألف" التونسية وكذا "السوفل" المغربية. عُرف عن قصائده أنها ناضجة جدا، وعالية الثقافة وواسعة الرحاب، عكست في مجملها فكره وتمكنه من الشعر بكل أصوله وتمرده في العديد منها عن ما سبقه إلى ميدان الكتابة، فقد قدم شيئا جديدا في تلك الفترة، حمل رسالة تختلف عما كانت تعيشه الجزائر من قبل، معطيا بذلك صورة جديدة لجزائر حديثة غير التي كانت بالأمس، وكانت كتاباته عبارة عن تساؤلات تستوجب النقاش الموضوعي من كل النواحي.

 بعد ست سنوات من اغتياله أي سنة 1999 صدر آخر ما عصرته قريحته من الكتابة، وكانت عبارة عن رواية عنوانها "آخر اصطياف للعقل"، وهي عبارة عن استشراف تخيّل فيها "الطاهر جاووت" الجزائر وهي تحترق بنار الفكر المتطرف في تلك الفترة، هذا التخيّل لم يعمر طويلا حتى أصبح حقيقة، كتبت صفحات عديدة من تاريخ الجزائر بدم خالص من كل أبناء هذا الوطن على اختلاف مستواهم الفكري، سقيت به أرض هذا الوطن من أجل سلامها، فقد تنبأ باغتياله، وكذا ما تحمله الريح العاتية التي هبت على الجزائر طوال عشرية كاملة.

 كان تاريخ 26 ماي 1993 يوم لبست فيه الثقافة الأسود للحداد، بعدما اغتيل هذا المثقف برصاص الغدر في الجزائر العاصمة، ودفن بقريته الصغيرة "أولخو" التي بقي وفيا لها حتى وفاته.  

التعليقات(1)

  • 1
    الاسم البلد 28 سبتمبر 2016
    رحم الله الطاهر طاهر الفكر و الرؤية
    معجب غير معجب 0

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha