بوجمعة العنقيس

عراب الأغنية الشعبية القصيرة الذي عاش بسيطا ورحل عملاقا


هو أستاذ الأغنية الشعبية القصيرة وقائد الثورة على الطويلة منها، اجتهد في الفن الشعبي فقدم أغان خالدة خلود اسمه بيننا، "راح الغالي" تاركا وراءه فراغا لا يعمره "بحر الطوفان" من ألوان الفن الراقي، بقي محبا ومبدعا في فنه الأصيل ووفيا للأغنية الشعبية الطويلة، رغم ثورته عليها حتى "الساعة الأخيرة" من حياته، كانت أعماله كلها مجموعة ألوان أضيفت إلى مكتبة الثقافة الجزائرية في الفن الهادف، العذب النقي.

مسيرة فنية حافلة، وعطاء وهاج في الفن الشعبي العاصمي، خلد لنفسه مكانا بين أعمدة هذا الفن مند نشأته، كانت حكاية البدء في حي القصبة العتيق الذي بشر بهذا المولود سنة 1927م، طفل صغير لم يحب أبدا في هذا العالم، لكنه نهض ليمشي مسرعا، فكان غزير العطاء مند أن ولج هذا العالم الجميل، كيف لا وقد عايش سنام وصحوة هذا الفن مع الكثير من أعمدته على غرار الحاج محمد مريزق، وامحمد العنقى رحمهما الله والذي أهداه لقب "العنقيس"، وهو صغير العنقاء لصوته الجميل الجذاب، وانضم إلى فرقتهما.

استلهم جمال هذا الفن من الشيوخ الذين سبقوه فيه، على غرار "الشيخ شويطر" و"سعيد المداح"، و"مصطفى الناظور" آنذاك، كما كان بارعا في العزف على "الماندولين" و"القيتار"، لكنه لم يقف وقفة مستمع معجب فحسب بهذا الفن، بل أراد أن يقدم شيئا ينسب إليه في هذا العالم، حيث أعلن ثورة فيه وأصبح عرابا للأغنية الشعبية القصيرة، هذه الأغنية التي كانت قبله قصائد طويلة تمتد إلى ساعات لا تنتهي في السهرات حتى مطلع الفجر، في شكل روائع رسمها فنانوها في قوالب جذابة وهادفة وراقية في اللحن والكلمات، لكنه هو أرادها مجرد لحظات في حلم قصير، لكنها تبقى خالدة في الأذهان وهو ما كان له، وهذا لم يؤثر على وفائه للقصيدة الطويلة، العمود الفقري لفن الشعبي.

أن تكون عملاقا هو أن تجالس العمالقة، وإن راقصتهم فإنك حتما سوف تدوس على قدميك، لكنك تتعلم الفن أو الحرفة على أصولها، وهو ما كان مع "محمد بوجمعة "، الذي اشتغل مع أعمدة في هذا الفن على غرار "محبوب باتي" و"عمر الزاهي"، الذين أعطوا للشعبي جمالا خلابا مستمدا من كلمات راقية مهذبة تطرب السمع والفؤاد على حد سواء.

لقد ثار على المستعمر الفرنسي خلال حرب التحرير أولا، قبل ثورته على الفن الشعبي الكلاسيكي، وهذا ما أدى إلى اعتقاله مرتين متتاليتين ومورست عليه كل أنواع التعذيب مثله مثل من يثور في وجه الاستعمار، سواء بالسلاح أو القلم وحتى الأغنية، لكن هذا لم يعكر صفاء سريرته وحبه لوطنه، بل أكثر من هذا فقد خلد أحداث 11 ديسمبر 1960 في أغنية "جانا الانتصار".

غنى للبحر فجاءت رائعة "يا بحر الطوفان" التي ألهمت الكثير من الفنانين من بعده، على غرار الراحل الهاشمي قروابي، كما قدم قصائد طويلة "خاف الله وأنا راجعين"، "الوفاة"، "الساعة الأخيرة"، "تشاوروا عليا". 

نذكر هذه الروائع من باب الذكر لا الحصر، لأن بصماته في عالم الفن الشعبي كانت كبيرة وكان عطاؤه منقطع النظير، فقد اجتهد كثيرا وترك وراءه 7 البومات وثلاثمائة أغنية في الفن الراقي المهذب، قصائد كانت تجمع كل محب الشعبي، استأنست بها الأذان والقلوب، ومازال صداها يسير مع الزمن، تتزين بها اليوم مكتبة الثقافة الجزائرية في فن الشعبي الأصيل. 

رحل سنة 2015 تاركا خلفه جرحا عميقا في عالم الأصيل من الفن المهذب، يضاف إلى قائمة الكثير من الفنانين الذين وطنوا لهذا الفن وبقي خالدا حتى بعد فنائهم. 

التعليقات(1)

  • 1
    الاسم البلد 01 سبتمبر 2016
    اللهم ارحم موتى المسلمين و المسلمات الاحياء و الاموات.
    معجب غير معجب 0

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha