وفية بلعربي.. مخضرمة عالم التمثيل في الجزائر


أردنا في ركن أسماء من الذاكرة لهذا العدد، أن نحفظ من الضياع بين صفحات النسيان، اسما أنثويا وموهبة عبقرية، صقلها الواقع قبل أن تخوض عالم التمثيل، جمعت بين موهبتين وهما الطرب والتمثيل، استطاعت من خلالها تقمص كل الأدوار بسهولة من غير تكلف، وهو ما فتح لها المجال لأن تكون حاضرة في جل الأعمال الخالدة في عالم الفن الرابع والسابع في أجندة الثقافة الجزائرية، وبقي اسمها ساطعا إلى اليوم برغم جدران النسيان التي طالتها.

  ....اختارت أن تلامس الواقع من خلال انضمامها إلى صفوف جيش التحرير الوطني في تلك الفترة، إلى جانب العديد من الفنانين والممثلين في فرق مسرحية وطربية، وهذا للمشاركة والتجوال عبر العديد من دول العالم بأعمالهم، من أجل التعريف بالقضية الجزائرية، وكذا جمع المال لشراء الأسلحة لضمان استمرار المد التحرري والدفاع عن شرف الجزائر في تلك الفترة، واسترجاع حريتها التي أخذت منها قهرا، فكانت بذلك من بين اللواتي حملن هم جزائر مستعمرة، وكانت كذلك من بين الأوائل التي انضمت إلى مسيرة السعي إلى تقديم كل ما هو نفيس لفك حصار المستعمر، الذي اختار الحديد والنار لغة، واختارت هي إلى جانب العديد من الممثلين في تلك الفترة الخشبة والكلمة لقهره من دون سلاح.

  ولدت سنة 1933، وبدأت هذا المشوار في سنوات الخمسينات من خلال انضمامها إلى فرقة "حميد شارلو"، وهي الفرقة التي سمحت لها بوضع اللبنة الأولى في هذا العالم، كما كانت بمثابة القلم الذي خطت بها أعمالها في عالم التمثيل والطرب التي تصنف اليوم إلى جانب خيرة الأعمال في مذكرة الثقافة الجزائرية.

 ومع سطوع شعاع الاستقلال، التحقت بالمسرح الوطني سنة 1963، ولعل المتتبع لسيرتها الفنية بعد الاستقلال يجد أنها شاركت في جل الأعمال الكبيرة والمتميزة سواء في الفن الرابع أو السابع، واستفادة الكثير من المخرجين الجزائريين من شخصيتها المتميزة وعبقريتها في هذا العالم، التي أسست له بين مرحلتين مختلفتين من تاريخ الجزائر وهي فترة الاستعمار والاستقلال فيما بعد، فحق القول فيها أنها كانت مخضرمة عالم التمثيل في الجزائر.

 عندما نصل إلى الأعمال التي شاركت فيها بالتفصيل، نجد أنها كانت متميزة في المسرح الجهوي وبالذات مع المخرج الكبير عبد الرحمان كاكي، حيث كانت حاضرة في الكثير من أعماله منها "عرائس القراقوز"، "القراب والصالحين"، "الأمطار الخالدة"، وهي من الأعمال الخالدة والمتميزة إلى حد الساعة في عالم الفن والتمثيل، كما قدمت أدوارا كثيرة مع الفنان الكبير والمخرج الفذ "عبد القادر علولة"، وشاركت في خيرة أعماله، منها "حوت يأكل حوت"، "العلق"، "لي كلا يخلص"، "الخبزة". ولعل تواجدها ضمن قائمة الفنانين المشاركين في أعمال هذين العملاقين في الإخراج، يوحي بحق بعبقريتها وحضورها القوي في كل أعمالها التي كانت مقنعة ولاقت علامة جيد جدا من دون منازع.

لعل كثير الأعمال التي شاركت فيها، ووقوفها جنبا إلى جنب مع أعمدة المسرح والسينما في الجزائر من دون خجل ولا مركب نقص، جعل منها أحد الوجوه الأنثوية التي استطاعت أن تترك لمسات صادقة ومؤثرة في هذا العالم إلى حد اليوم، وهذا ليس غريبا على الكثيرات ممن عاشوا معها وممن سبقوها إليه.

ندرج هذه الحلقة بمثابة تواصل بين ذلك الجيل وهذا الجيل من أجل التعارف عن قرب ولو عبر الكلمات والحروف، ومد الوصال الزمني بينهما من أجل تمديد سكة السير إلى الأمام في عالم المسرح والسينما في الجزائر التي لا تقوم إلا على ثنائية السابقين لهذا العالم واللاحقين به لتبقى الرسالة سائرة عبر الأزمنة، حتى وإن أفلت الكثير منها على غرار "وفية بلعربي" سنة 1998 بوهران.

التعليقات(0)

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha